Page 1 of 2 1 2 LastLast
Results 1 to 12 of 17
  1. #1

    خالد أبوشادي- ورد إليَّ روحي


    خالد أبوشادي


    تحرير قلب!!

    قال قلبي وهو يرزح تحت الأغلال :
    اتركيني يا نفس ..
    أرهقتني ذنوبك
    أفقدتني صوابي ..
    أهلكتني عيوبك
    زادت من عذابي
    ضاقت عليَّ الأرض
    واختَنَقْت .. اختنقت
    من طول غيابي
    يا نفس ..
    كم طمحتُ إلى الخير
    وهممت بإجابة داعي الله
    وكدتُ أضع قدمي في قطار الصالحين
    وأمضي معهم في طريق النور
    فحرمتِني
    وحُلتِ بيني وبين النجاة
    أما آن لك أن ترحميني
    وتدعيني أنجو
    فكّيني من أسارك
    أطلقيني من قيدك المرير
    إن رضيتِ الهجر فأنا لا أطيق منه لحظة
    إن أبيت إلا الهلاك فأنا لا أتحمل غمسة في جهنم
    إن رغبتِ عن جنات عدن
    فأنا المتيَّم في هواها منذ زمن
    ويحك!!
    أنا منك وأنت مني لكن ..
    ما ذنبي وقد سددت عليَّ كل منافذ النجاة؟!
    ماذا أفعل وقد قتلت فيَّ أي بذرة خير؟!
    ما حيلتي وأنت تريدين قتلي؟!
    أما أنتم يا أعوان نفسي :
    أيتها الغفلة الجاثمة
    أيتها الشهوة العارمة
    أيتها القسوة الغالبة
    أيها الضالعون عمدا في المؤامرة
    يا كل من شارك في الجريمة
    ارحلوا عني إلى الأبد
    غادروني إلى غير رجعة
    لم يعد لكم عندي موضع قدم
    موتوا بغيظكم
    فقد ردَّ الله إليَّ روحي
    وعافاني في ديني
    وأذِن لي بذكره

    بطاقة دخول

    موضع الإصابة : القلب
    تاريخ الإصابة : غير معلومة
    تاريخ آخر كشف : أول كشف في حياته
    درجة الإصابة : شديدة الخطورة
    القسم : قسم الحالات الحرجة
    أعراض الحالة : نبض الإيمان ضعيف لا يكاد يُسمع .. فطرة أوشكت على الانقراض ... فرح بالمعصية .. نفور من الطاعة .. عين جفت من قلة بكائها من خشية الله .. قلب راحته في معصية ربه .. روح وحشتها من الصالحين .. نفس أنسها بالعصاة والمذنبين .... جسد ما عرف طريق المسجد منذ سنين ..
    التوصية : يُرسل فورا إلى الرعاية المركزة الإيمانية.

    المقدمة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" ، " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" ، " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " ، أما بعد :

    ظاهرة الجفاف الروحي ..

    ظاهرة الاكتفاء الذاتي :

    ظاهرة تراها من بعض المربين والدعاة وهي انصرافهم عن مجالس الوعظ والرقائق بحجة الاكتفاء الذاتي ، وأن تربية المواعظ والرقائق قد تجاوزوها من زمن ، فالمواعظ وترقيق القلوب إنما هي للمبتدئين أو من هم على عتبة باب الدعوة!! أما هم فقد تخرَّجوا من جامعة الإيمان وتسلموا شهادات التفوق منها ، ولم يعد لهم في هذا الميدان مطمع ، هذا لسان الحال وإن لم يُفصح عنه المقال.

    ادفع الثمن أولا

    كان عكرمة حريصا كل الحرص على أن لا يصل هذا العلم إلى من لا يستحق ، لذا قال رحمه الله :
    " لا تعلِّموا العلم إلا لمن يعطي ثمنه " ، فقيل له : وما ثمنه؟ قال : " يضعه العالم عند من يعمل به " .
    وبيَّن سفيان الثوري السبب في ما قال عكرمة ، فانطلق يشرح :
    " إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل فلا تعلِّموه ، فإنَّ من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة ، وإذا رأيتموه يُخلِّط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع ، فكُفُّوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا " ، وصدق الشاعر حين قال :
    لو كان العلم دون التقى شرف ... لكان أشرف خلق الله إبليس
    لذا لما بعث قوم إلى سفيان الثوري يطلبون أن يُحدِّثهم اشترط عليهم : " حتى تعملوا بما تعلمون ، ثم تأتوني فأحدِّثكم " ، ثم أردف في صراحة فاضحة :
    " يدنِّسون ثيابهم ثم يقولون تعالوا اغسلوها!! " .
    ولذا خوَّفك سري بن المغلِّس السقطي فقال :
    " كلما ازددت علما كانت الحجة عليك أوكد " .
    وأهمية عودة الروح كانت واضحة وأخذت ما تستحق من سلفنا المبارك ، ومن هذا ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمة عبد الرحمن بن شريح رحمه الله : قال هانئ بن المتوكل : حدثني محمد بن عبادة المعافري قال : كنا عند أبي شريح فكثرت المسائل فقال : " قد درنت قلوبكم ، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم ، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق ؛ فإنها تُجدِّد العبادة وتورث الزهادة ، وتجر الصداقة ، وأقلّوا المسائل فإنها في غير ما نزل تقسِّي القلب وتورث العداوة " .
    وحضارة اليوم وهي ترمي سهام خداعها صوب القلوب الغافلة لتصيب لٌبَّها ؛ تحتاج إلى درع حصين تتكسَّر عليه ، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ، وما هذا الدرع سوى تربية إيمانية راسخة تورث النظر في العاقبة ، واليقين بالآخرة ، والتنافس في الخيرات ، والزهد في الفانيات ، ولا يتم ذاك إلا إذا رد الله إليك روحك.
    وما أشبه هذه الحضارة ببساط يسحب الناس ببطء تجاه نهايتهم المحتومة ، وهم عنها غافلون وبغيرها مشتغلون ، والشيطان يرقص بينهم فرحا ، ويقهقه وهو يشُدُّهم بعيدا عن طريق النجاة ، حتى إذا ما وقعت بهم الداهية أفاقوا لكن .. هناك .. على أعتاب الحساب وفي ظلمة القبر ؛ فيا إخوان .. أترضون أن يكون هذا حالكم : تغفلون تغفلون ، ثم تموتون فتندمون!!

    ذلك مبلغهم من العلم

    اشتاط وهب بن منبه غضبا فصاح معلنا :
    " واعجبا من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد " .
    وصدق رحمه الله ؛ فأكثر الخلق يخافون موت أبدانهم ويركضون سراعا لشفائها إن مرضت ، ولا يبالون بموت قلوبهم ولا يُحرِّكون ساكنا إن هي صرخت من الشكوى والألم ، فليست الحياة عندهم إلا حياة الجسد ، والحياة في هذه الحالة ليس لها سوى معنى واحد : الموت ، فليس الميت من خرجت روحه من جنبيه ، وإنما الميت من لا يفقه ماذا لربه من الحقوق عليه!!
    ولذا لما قال رجل لسهل بن عبد الله : دخل اللص بيتي وأخذ متاعي قال له : اشكر الله تعالى!! لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك ، ماذا كنت تصنع؟!

    أخي .. أتبكي في بيت الله ندما على ما سرقت ، فإذا عدت إلى بيتك أكلت المسروق!! يا غافل .. أنفقت ما سرقت وبقي قطع اليد!! أتحفر قبرك بظفرك؟! أتقطع أنفك بسيفك؟! أتقتل نفسك بنفسك؟!

    أخي .. قلبك قلبك .. أنقذه منك قبل أن تهلكه ، قلبك .. سفينة نجاتك الوحيدة إلى الجنة وليس لك غيرها ، فإياك والغرق ، والغرق اليوم معناه فقدان التألم باقتراف المعصية ، واللامبالاة بمواطن الزلل ، ومجاراة أهل السوء دون أدنى ندم ، وعدم إنكار المنكر ولو بالقلب ، فإن وجدت نفسك تنجرف منك في هذا السيل ؛ فأعلن حالة الطوارئ ، واجذبها نحو النجاة بقوةٍ تفوق قوة الغريق الذي يتشبث بأي شيء لإدراك النجاة ، وأسرع قبل أن تلفظ أنفاسك الأخيرة ، وإلا فإنها المحرقة!!
    ويحك .. كيف تنفصل عنه ، وما خلقك إلا لتتصل به!!
    هذا الكتاب باب من أبواب الخير ، " والله سبحانه يعاقب من فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه ، بأن يحول بين قلبه وإرادته ، فلا يُمكِّنه بعدُ من إرادته عقوبة له ، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه ، حال بينه وبين قلبه وإرادته ، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك. قال تعالى : ﴿ يا أيُّهَا الَّذيْنَ آمَنوا اسْتَجيْبوا للهِ وَلِلرَّسوْلِ إِذا دُعَاْكُمْ لِمَاْ يُحْييْكُمْ وَاعْلَموا أَنَّ اللهَ يَحوْلُ بَيْنَ المَرْءَ وَقَلْبِهِ ﴾ [ الأنفال : 24 ] ، وقد صرح سبحانه بهذا في قوله : ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [ الأنعام : 110 ] ، وقال تعالى : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ [ الصف : 5 ] ، وقال : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾ [ التوبة : 115 ] ، وهو كثير في القرآن " .

    أخي .. هذا الكتاب بضاعة وشراؤها بالعمل ، فاقرأه موقنا أن قراءتك هي سبيل الرقي في الدنيا قبل الآخرة « اقرأ وارقَ » ، واستعد بعد قراءته للتسابق وتهيَّأ للانطلاق ، وطلِّق زمن اللهو وانس أيام الغفلة ، واحطم اللات والعزى لديك ، وتزوَّد بالوقود لتبدأ الرحلة ، واتخذه زادا لتشغيل آلة القلب لتستأنف المسير وتتحمل المشاق وتستعذب الألم لتستوجب الثمن ، واقبله مني هدية متواضعة ولمسة رقيقة ليكون جليس روحك وهي تولد من جديد من رحم الغفلة وتتحرر من أسر البدن.
    هذا الكتاب رحلة سفر أخروية ، ومن المعلوم أنه " لما سافر موسى إلى الخضر وجد في طريقة مس الجوع والنصب فقال لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ، فإنه سفر إلى مخلوق ، ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فلم يأكل فيها ؛ لم يجد مس الجوع ولا النصب ، فإنه سفر إلى ربه تعالى ، وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين " .

    هذا الكتاب نهر صاف يسقي القلوب العطشى ويغسل الأرواح التي دنستها الذنوب على مدى سنين ، وليس هدف الكتاب صبُّ الإيمان في قلبك كلا ، بل لإثارة بواعثه الكامنة في عروقك ، ولست أزعم أنني هنا الآن لأجعلك خيرا مما أنت عليه بل لأُعلِمك أنك خيرٌ بكثير مما تظن ، وأصيح فيك بأن رصيد الفطرة الراقد فيك ينتظر شرارة تقدح الحماسة وتطرد الغفلة والكسل ، وأسأل الله أن يجعل هذه الشرارة بين ثنايا هذه الصفحات وفي بطن هذا الكتاب.

    أخي!! أجِب دعوة محمد إقبال يهيب بك ويصرخ :
    شُقَّ قلب الطود عن جوهرهِ ... شُقَّ موج البحر عن دُرٍّ بهِ
    وقد عطَّرت هذا الكتاب بعبير القصص لأمتِّع به القارئ وأرسِّخ به المعنى مستحضرا إجابة طلب وتحقيق أمنية أحمد بن حنبل حين قال : " ما أحوج الناس إلى قاص صدوق " .


    ولا تتم الفائدة من هذا الكتاب إلا إذا انتقلت روحك من شعور إلى شعور ومن حال إلى حال ، فإذا سافرت في ثنايا هذا الكتاب وهمُّ الدنيا يملأ قلبك ، وأشغالها تشغلك ، وهمومها تُهِمك ، فكأنك قرأت وما قرأت ، وحفظت وما فهمت.




    See More: خالد أبوشادي- ورد إليَّ روحي

  2. # ADS
    Spons Circuit
    Join Date
    Always
    Posts
    Many
     
  3. #2

    الباب الأول : القلب الجريح

    ما هو القلب؟!

    أبدأ هذا الباب بسؤال :
    قد يقوم إنسان بعملية زراعة قلب ، ويحيا بقية حياته بقلب رجل آخر ، فهل تتغيَّر مشاعره وتتبدل أفكاره وعواطفه تبعا لهذا القلب الذي زُرِع فيه؟!
    كلا ، فالمشاهد أنه لا يتغيَّر دينه ولا محبته لأهله وقرابته ، وهذا دليل دامغ على أن كل ما يظنه الناس من وظائف القلب ودوره في الحب والعاطفة ، واعتباره مركز الفكر وموطن العقائد والسلوك مسألة فيها نظر ، فهل يتعارض هذا مع ما ورد في القرآن والسنّة من ذكر القلب مرتبطا بهذه المعاني؟!
    لقد استطاع الإمام أبو حامد الغزالي [ ت : 505 ] أن يحل هذه الإشكالية ويميِّز بوضوح بين المعنيين اللذين يختلطان في أذهان كثير من الناس ، فقال رحمه الله في كتاب عجائب القلب من موسوعته القلبية " إحياء علوم الدين " كلاما كالبشرى بالولد الكريم يُقرع به سمع الشيخ العقيم وجاء فيه :
    " لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين :
    أحدهما : اللحم الصنوبري الشكل ، المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو لحم مخصوص ، وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ، ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته ؛ إذ يتعلق به غرض الأطباء ، ولا يتعلق به الأغراض الدينية ، وهذا القلب موجود للبهائم ؛ بل هو موجود للميت ، ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك ، فإنه قطعة لحم لا قدر له ، وهو من عالم الملك والشهادة ، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين.
    والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان ، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ، ولها علاقة مع القلب الجسماني
    " .
    والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به المعنى الثاني ، وهدفنا هو ذكر أوصاف الروح وأحوالها التي تعتبر سرا مغلقا ، والتعرض لأصناف النفوس وتقلباتها رغم أنها أمر مبهم ، ورغم أن آيات وأحاديث القلب قد يشتبه في بعضها الأمر ويتبادر إلى الذهن أنها مرتبطة بالقلب العضلي ، إلا أن المقصود منها على الحقيقة : القلب المعنوي كما قال الإمام الغزالي :
    " وحيث ورد في القرآن والسنّة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ، ويعرف حقيقة الأشياء ، وقد يُكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ؛ لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة " .

    لكن لماذا الحديث عن القلب بالذات دون سائر الأعضاء؟! لقد أحصيت في هذا الباب عشرين سببا لهذا ، وتبدأ بما يلي :
    1. إنه الملك :
    القلب أمير الجسد وملك الأعضاء ، فهو راعيها الوحيد وقائدها ، وإنما الجوارح والحواس تبع له وآلات تصدع بما تؤمر ، ‏فلا تصدر أفعالها إلا عن أمره ، ولا يستعملها في غير ما يريد ، فهي تحت سيطرته وقهره ، ومنه تكتسب الاستقامة أو الزيغ ، وبين القلب والاعضاء صلة عجيبة وتوافق غريب بحيث تسري مخالفة كل منهما فورا إلى الآخر ، فإذا زاغ البصر فلأنه مأمور ، وإذا كذب اللسان فما هو غير عبد مقهور ، وإذا سعت القدم إلى الحرام فسعي القلب أسبق ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم عن المصلي العابث في صلاته : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » ، وقال لمن يؤم من المصلين : « استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم » ، فأعمال الجوارح ثمرة لأعمال القلب ، والخلاصة : القلب هو خط الدفاع الأول والأخير ، فإذا ضعف القلب أو فسد أو استسلم انهارت الجوارح!!
    وفي المقابل إذا ذكر العبد ربه فلأن القلب ذَكَر ، وإذا أطلق يده بالصدقة فلأن القلب أذِن ، وإذا بكت العين فلأن القلب أمر ، فالقلب مملي الكلام على اللسان إذا نطق ، وعلى اليد إذا كتبت ، وعلى الأقدام إذا مشت ، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم للقلب حقه ومكانته حتى وصفه بأنه : « مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله » ، وتوجه أول ما توجَّه إليه ليربّيه ويهتم به ويزكِّيه.
    فكل الأفعال مردها إلى القلب وانبعاثها من القلب ، وكل الأفعال تعني كل الأفعال ولو كانت لبس ثيابك وزينة بدنك!! وهذا ما أدركه مستودع القرآن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقال : " لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب " .

    هدف الحبيب الأول
    قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :
    « إنما نزل أول ما نزل منه (القرآن) سورة من ‏ ‏الُمفصّل ‏ ‏فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ‏ثاب ‏ ‏الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا » .
    فقد حرَّم الله الخمر في العام الثاني من الهجرة أي بعد البعثة بخمسة عشر سنة ، وفرض الزكاة في العام الثاني من الهجرة كذلك ، وفرض الحجاب في العام السادس من الهجرة بعد تسع عشرة سنة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي كلها تكليفات تأخَّر نزولها حتى زكى القلب ولان وتمكَّن منه الحق واستبان.
    ولشرف القلب جعله الله أداة التعرف عليه ووسيلة الاهتداء إليه ، بل إذا غضب الله على عبد كان أقصى عقوبة يُنزلها به أن يحول بينه وبين قلبه ، وحيلولته هي أن يحرمه من معرفته وقربه ، لذا كان الاهتمام به تعبير عن الاهتمام بالأهم عن المهم وبالأصل عن الفرع.

    2. الهدف المشترك :
    وقد أدرك الشيطان دور القلب ومكانه فلم يضيِّع وقته في معارك جانبية أو مناوشات هامشية ، بل صوَّب جهده نحو هدف واحد وغاية ثابتة. قال ابن القيِّم :
    " ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه ؛ أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وزيَّن له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق ، وأمدَّه من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق " .
    فالقلب هو الهدف المشترك بين الملك والشيطان ، كلاهما يستهدفه ، فهو موضع الصراع ، والنقطة الملتهبة ، وساحة القتال ، وأرض المعركة ، ونتيجة هذه المعركة : إما هداية القلب وحياته ، وإما قساوته وموته وهلاكه ، فواعجبا ممن أخذ نصيحة العدو ، وردّ وصية الحبيب ، واشترى صداقة الشيطان بعداوة الملائكة ، وأعلن الحرب على ما تبقى من إيمانه بالتعاون مع عدوه اللدود ، وهي صيحة التعجب التي سبق وأن أطلقها ابن الجوزي حين قال :
    " كيف طابت نفسك أن تكون ظهيرا لفئة النفس على فئة القلب ، وفئة القلب مؤمنة وفئة النفس كافرة؟! " .

    عن الجوارح مختلف
    وقد يقول قائل : لكن الأعضاء والجوارح كذلك مستهدفة من قبل الملائكة والشياطين ، فما الفارق بينها وبين القلب؟! وأقول على لسان أبي حامد الغزالي الذي بيَّن الفارق الجلي في قوله :
    " العوارض له أكثر ، فإن الخواطر له كالسهام ، لا تزال تقع فيه ، وكالمطر ؛ لا تزال تُمطر عليه ليلا ونهارا لا تنقطع ، ولا أنت تقدر على منعها فتمنع ، وليس بمنزلة العين التي بين الجفنين ، تغمض وتستريح ، أو تكون في موضع خال ، أو ليل مظلم فتُكفى رؤيتها ، أو اللسان الذي هو وراء الحجابين : الأسنان والشفتين ، وأنت قادر على منعه وتسكينه ، بل القلب غرض للخواطر ، لا تقدر على منعها والتحفظ عليها بحال ، ولا هي تنقطع عنك بوقت " .

    3. طهارته شرط الدخول :

    والسبب الثالث في أهمية القلب أن طهارته شرط دخول الجنة ، لذا ذم الله خبثاء القلوب فقال : ﴿ أُولِئك الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ في الدُّنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيْمٌ ﴾ [ المائدة : 41 ] ، والآية دليل دامغ على أن من لم يطهِّر قلبه فلا بد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولهذا حرَّم الله سبحانه الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من خبث ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » .
    ولا يدخلها أحد إلا بعد كمال طيبه وطهره ، لأنها دار الطيبين ، ولذا يُقال لهم وهم على مشارف الجنة : ﴿ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [ الزمر : 73 ].
    ويُبشَّرون عند موتهم دون غيرهم على لسان الملائكة : ﴿ الّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجنَّةَ بِمَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل : 32 ].
    قال ابن القيِّم : " فالجنة لا يدخلها خبيث ، ولا مَن فيه شيء من الخبث ، فمن تطهَّر في الدنيا ولقي الله طاهراً من نجاساته دخلها بغير معوِّق ، ومن لم يتطهر في الدنيا ؛ فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال ، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة ، ثم يخرج منها حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ، ولم توجب لهم دخول النار ، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أُذِن لهم في دخول الجنة " .
    من أجل ذلك جاء الأمر جازما للنبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [ المدثر : 4 ].
    قال ابن القيِّم : " وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب ها هنا القلب ، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق " .

    النجاسة الكبرى
    قال الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [ التوبة : 9 ]
    فعبَّر سبحانه وتعالى عن نجاستهم بالمصدر للمبالغة ؛ وكأنهم عين النجاسة لأن خبائث الباطن أولى بالاجتناب وهل أخبث من الشرك؟! فإن خبائث القلب مع خبثها في الحال مهلكات في المآل ، ومعنى آخر : هو أن الطهارة والنجاسة غير مقصورة على الظاهر ، فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس القلب ، وهذا الذي ذهب إليه أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات لأن الله سبحانه أحلّ طعامهم ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله وقوله ، فأكل في آنيتهم ، وشرب منها ، وتوضأ فيها ، وأنزلهم في مسجده.
    وإضافة إلى هذا ؛ فالنجاسات المعنوية ليست على درجة واحدة بل تتفاوت ، وليس محلها قلوب الكفار فحسب ، بل قد توجد في قلوب المسلمين ، فالغضب والكبر والحسد وغيرها من أمراض القلوب نجاسة ، وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد قال : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة » ، فإن أبا حامد الغزالي [ ت : 505 ] قد تأمل في هذا الحديث تأملا قد يكون بعيدا عن الظاهر لكنه ذو دلالة فقال :
    " والقلب بيت هو منزل الملائكة ، ومهبط أثرهم ، ومحل استقرارهم ، والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة ، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ، ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب إلا بواسطة الملائكة ، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم إلى القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها ، وهم المقدسون المطهرون المبرءون عن الصفات المذمومات ، فلا يلاحظون إلا طيبا ، ولا يعمرون بما عندهم من خزائن رحمة الله إلا طيبا طاهرا " .

  4.    Sponsored Links



    -

  5. #3


    4. موضع نظر الله :

    من القلوب قلب كقبور الموتى ظاهرها الزرع والورد وباطنها الجيف والموت ، أو كبيت مظلم على سطحه سراج وباطنه ظلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا : « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم » .
    إنها حياة القلب وإن كانت البطون خاوية والثياب بالية ، وقد أبان الحديث أن القلب هو موضع نظر الرب ، فلا عبرة إذن بحسن الظاهر مع خبث الباطن ، فاعجب ممن يعتني بمظهره وهندامه الذي هو محل نظر الخلق ؛ فيغسل ثوبه ويعطِّره ، وينظِّف بدنه ويطهِّره ، ويتزيَّن بما أمكن ، لئلا يطَّلع مخلوق على عيب فيه ، ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق ؛ فيطهِّره ويزيِّنه لئلا يطلع ربه منه على دنس أو خبث أو أحد غيره.
    ومعنى آخر من الحديث قاله ابن الجزري :
    " النَّظَر ها هنا الاخْتِيار والرحمة والعَطْف لأنَّ النظر في الشاهد دليلُ المحبَّة ، وتَرْك النظر دليل البُغْض والكراهة " .

    وتأمَّل ما يلي لتعلم أهمية القلب :
    إن العمل قد يكون ظاهره العصيان وصاحبه مُثاب ، كأن ينطق الرجل بكلمة الكفر مُكرَها وقلبه مطمئن بالإيمان ، أو يشرب مُسكِرا بغير رضاه ، وفي المقابل قد يكون ظاهر العمل الإحسان وصاحبه في النار ، كأن يُقتل المرء في ساحة قتال ليتغنى الناس بشجاعته ، ويُنفق ماله في طرق الخير ليُثني الناس على كرمه ، ويقرأ القرآن ليلفت إليه أعناق الغير ، والقلب في كل هذه الأحوال واقف وحده في قفص الاتهام أو مُسجَّل بأزهى الحروف في لوحة الشرف.

    مذنب وبرئ!!
    وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا عُمِلَت الخطيئة في الأرض كان من شهِدها ؛ فكرِهها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها » .
    سبحان الله! غائبٌ عن ساحة الجريمة لكنه أول المتهمين واسمه في سجل المذنبين ، وآخر حضر الجريمة بنفسه ورآها بعينه ومع ذلك يأتي الحكم له بالبراءة!! والسبب في ذلك كله القلب الذي أنكر فسلِم أو رضي فأثم.
    وفي الحديث بشارة ونذارة ؛ بشارة لمن اضطر إلى حضور مجلس يُعصى الله فيه ولم يستطع أن ينكره بيده أو بلسانه بل ولم يقدر حتى على مغادرة المكان ؛ فيقوم القلب بالواجب وينبري للإنكار ، ونذارة لرجل أراد الله له الخير فأبى لنفسه إلا الشر ، وعصمه من المنكرات فأبى إلا التلطخ بها ، وصرف جسده عن مكان الإثم فسافر إليه بقلبه وروحه فعوقب بمساواته مع مرتكب الجرم.
    إنه القلب حين يزني!! نعم يزني ، ومع شدة وقع هذه الكلمة على النفس إلا أن الذي أطلقها هو من وصفه ربه أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، ومن رحمته ورأفته بأمّته تحذيره الصريح لها بقوله : « وزنا القلب : التمني » . قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا : " زنا القلب التمني : أي يهوى وقوع ما تحبه النفس من الشهوة " .
    إن للقلب كسبا كسب الجوارح وعملا كعملها ، والله سبحانه أعلن أنه يؤاخذ على كسب القلب ثوابا وعقابا ، فقال سبحانه : ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [ البقرة : 225 ].
    ويشهد لعمل القلب هذا وأن الله يحاسب العبد عليه حديث :
    « إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فقتل أحدهما صاحبه ، فالقاتل والمقتول في النار ». قيل : يا رسول الله!! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » .
    فدخل هذا المسلم النار بشيء وقر في قلبه وهلك بسبب عمل قلبي ؛ ليس غير.
    الظاهر والباطن!!
    نعم .. صورة القلب هي الأصل ، فإن وافق الظاهر الباطن كان ما في القلب حقيقيا ، وإن خالف الظاهر الباطن كان ما في القلب مزيفا ، وعلى القلب أيضا يتوقف صحة الظاهر أي قبوله عند الله ، أما الناس فإنهم مكلَّفون بقبول الظاهر فحسب والحكم على أساسه والله يتولى السرائر ، ومن هنا كان مقصد الشهادتين هو توجيه رسالة ملموسة إلى الناس بإسلام الناطق بها ، في حين أن الله وحده هو المطلع على غير الملموس من محتوى الباطن ، وقد نطقت ألسنة المنافقين بالشهادتين ، فعصمت دماءهم في الدنيا ، لكن مستقرهم في النهاية هو الدرك الأسفل من النار بما حوت قلوبهم.
    واسمعوا إلى ارتباط الظاهر بالباطن في قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ [ آل عمران : 31 ] ، فإن حب الله في القلب يورث اتباع الجوارح ولا بد ؛ وإلا كان ادعاء وكذبا وزورا.

    5. النافع الوحيد :

    قال عز وجل : ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنوْنٌ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليْمٍ ﴾ [ الشعراء : 88-89 ].
    فلا القول ينفع ، ولا العمل يشفع ، بل سلامة القلب هي أصل كل نجاة ؛ كما أن فساده أصل كل بلية ، لكن ما هو القلب السليم؟!
    والجواب : هو القلب الذي سلم من كل شيء إلا من عبوديته لربه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر ، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر ؛ فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يُمدح به " .
    وتأمل كيف جعل الله المال والبنون بمعنى الغنى ، كأن المعنى : يوم لا ينفع أحد غناه إلا غنى من أتى الله بقلب سليم ؛ لأن غنى الرجل الحقيقي هو في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه فى دنياه بماله وولده ، وعلى هذا يكون من معاني القلب السليم أي من فتنة المال والبنين.
    لكن تلميذا نجيبا من تلامذة ابن تيمية أفاض في شرح معنى القلب السليم ؛ يبغي بذلك إزالة أي لبس أو غموض حتى يسهل الوصول إلى المراد ، فقال الإمام ابن القيِّم [ ت : 751 ] :
    " والقلب السليم هو الذى سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة ، فسلم من كل آفة تبعده من الله ، وسلم من كل شبهة تعارض خبره ، ومن كل شهوة تعارض أمره ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده ، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله ، فهذا القلب السليم فى جنة معجلة فى الدنيا ، وفى جنة فى البرزخ ، وفى جنة يوم المعاد ، ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء : من شرك يناقض التوحيد ، وبدعة تخالف السنة ، وشهوة تخالف الأمر ، وغفلة تناقض الذكر ، وهوى يناقض التجريد والاخلاص ، وهذه الخمسة حجب عن الله " .
    وفي آية سورة ق :
    ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ [ ق : 32-33 ].
    وتأمل قوله تعالى في الشعراء : ﴿ أَتَى ﴾ ، وفي ق : ﴿ جَاءَ ﴾ ، وكأن المعنى الذي يريد أن يوصله لك ربك : ائتني بقلب سليم وجئني بقلب منيب تنجُ من عذابي وتنل رضائي ، فأنت يا أخي وحدك الذي تملك أن تأتي بهذا القلب وليس أحد غيرك.
    وفي المقابل قد يدخل عبد النار بسبب قلب كما قال تعالى :
    ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [ الأعراف : 179 ].
    بل إن حال العبد في قبره ما هو إلا انعكاس لحال قلبه في الدنيا كما قرَّر ذلك ابن القيم وهو يزيدنا في كتابه زاد المعاد :
    " فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا " .

    6. بيت الإيمان والتقوى :

    قال خبير القلوب وكاتم سر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين ، رأيتُ أحدهما ، وأنا أنتظر الآخر : حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جِذر قلوب الرِّجال ، ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السُّنة ، وحدَّثنا عن رفعها قال : « ينام الرجل النوْمة فتُقْبَض الأمانة من قلبه ، .. » .
    والأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة التي جاءت في قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [ الأحزاب : 72 ] ، وهي عين الإيمان ، فالأمانة هنا هي الإيمان ، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الإيمان نزل أول ما نزل في القلب تعبيرا عن الفطرة السوية التي يولد بها العبد ، ثم يزيد الإيمان بعد ذلك اكتسابا بتعلم القرآن والسنّة ، وتأتي أهمية الأمانة من أنها إذا تمكنت من قلب العبد ؛ قام بأداء ما أُمِر به واجتنب ما نُهِي عنه في بكل طواعية وتسليم.
    وفي الشطر الثاني من الحديث أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الإيمان يُنزع أول ما يُنزع كذلك من القلب ، فمن القلب الزيادة ومنه النقصان ، وفيه نشأة الخير ومولد الشر ، ولو لم يكن للقلب من فضل إلا أنه وعاء الإيمان لكفاه وفضل عليه.
    والقلب كذلك هو وعاء التقوى ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « التقوى ها هنا » ، وأشار إلى صدره ، علامة على أن مكان التقوى هو القلب ، والقلب وحده ، فليست التقوى نبرة خشوع أو دمعة عين أو إطالة سجدة أو غير ذلك من المظاهر الفارغة من الروحانية والخشوع ، إنما هي سر قلبي مستودع في القلب لا يطلع عليه أحد إلا الله.

    7. هشاشة المصاب :

    قال ابن القيِّم :
    " ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك ، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شيء من الشبهة أو الشهوة ، حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه ، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته " .
    فمريض القلب أي نفحة هواء أو هبة تراب تصيبه في مقتل ، وأي شهوة عابرة أو زلة تتسبب في فتنته ، وأعرى فخ للشيطان يسقط فيه ، وأسهل مكيدة لعدوه يسارع إليها ، والسبب في ذلك كله ضعف قلبه وانهيار أجهزة المناعة لديه.

    8. السرطان :

    أصعب المرض عدم معرفة المرض ، وأصعب منه عدم معرفة أنك مريض ، وأصعب وأصعب أن ترفض الاستماع إلى وصية الطبيب ، وهذه ثلاثتها تجتمع في أمراض القلوب ، فمرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه ؛ لذلك يغفل عنه ، وأمراض القلوب هي سرطان الروح ، وخطورتها في أنها كالمرض الخبيث تتسلل إليك دون أن تشعر ، فلا ارتفاع حرارة ولا ضغط مرتفع ولا نزيف يؤلم أو جرح ينذر ، لذا يمرض فيها الطب ولا ينفع.
    قال لنا ابن القيِّم [ ت : 751 ] بعد أن زرناه في عيادته الربانية :
    " وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها ، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته ، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق ، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألّم بورود القبيح عليه ، وتألّم بجهله بالحق بحسب حياته ، وما لجرح بميت إيلام " .
    ومما يجعل مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير أن مرض القلب عذابه دائم بعد الموت لا ينقضي ؛ بعكس مرض البدن الذي يُتخَلَّص منه بالموت ، مما يجعل الاهتمام بأمراض القلوب أوجب والسعي في علاجها أدعى.
    إن ما يصيب البدن من أسقام في هذه الحياة يؤجر عليه الإنسان ، أما ما يصيب القلب من أمراض فهو الإثم كله والهلاك كله في الحياة وبعد الممات ، إنك إذا دخلت معركة فقتلك العدو الظاهر وسلبك حياتك لمتّ شهيدا ، أما إذا غلبك العدو الباطن بأسلحة الشهوات والشبهات لمتّ حينئذ طريدا ، وشتان عند الله ما بين شهيد وطريد ، شتان شتان.

    9. وحده مالك دوائه :

    قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ [ الحج : 15 ]
    هذه الآية تصف حال نفر من المنافقين امتلأت قلوبهم غيظا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علوه ونصره ، فقال الله لهم : إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة ؛ فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله لن يفعل ويغيظه أن يظفر نبينا بموعود الله له ؛ فليستقص وسعه وليستفرغ جهده في إزالة ما في قلبه من غيظ بأن يفعل أقصى ما يستطيع فعله ، ولو كان ذلك أن يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مدَّ حبلا إلى سماء بيته فشنق به نفسه ، فإنه وإن فعل ذلك فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ ، كلا والله فلن يذهب غيظه ولن يزول مرضه إلا أن يشاء الله ، فالله وحده هو شافي الصدور ورافع وحر القلوب.
    والمعنى :
    * إذا كنت تعاني الكآبة والحزن واليأس والجزع ، فهل تملك قوى الأرض جميعا أن تغيِّر من ذلك مثقال ذرة؟!
    * إذا حيزت لك الدنيا بحذافيرها وصارت تحت أقدامك ؛ لكن امتلأ قلبك كمدا وغما فهل تهنأ من دنياك بشيء؟!
    * إذا غرق قلب في الشك والشبهات والزيغ والرِّيَب ؛ فهل يملك نزع ذلك المرض من صدرك أحد من أهل الدنيا ما لم يشأ ربك؟!
    * إذا رأيت نعيم الدنيا مقبلا على غيرك ومُعرِضا عنك ، فممدت عينيك حسدا ولسانك حقدا وقلبك غلا ، فهل يملك تطهيرك مما أنت فيه أحد غير الله؟!
    * إذا أحب قلبك شهوة وأُشرِبها ومال إلى خطيئة وعشقها ، فهل يملك أن يعدل قلبك المنكوس ويحيي فطرتك السليمة أحد سوى خالقه؟!
    * إذا كره قلبك طاعة واستثقلها وملَّ المداومة عليها حتى كاد أن ينقطع ، فهل يملك أحد أن يحبِّبك فيها ويدنيك منها سوى الذي حبب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا؟!
    هذا ما أدركه مطرف بن عبد الله [ ت : 95 ] حين انخلع من رؤية عمله واعترف بقمة عجزه وغاية ضعفه وردَّ الفضل كل الفضل إلى الله وحده حين قال : " لو أُخرِج قلبي فجُعِل في يدي هذه في اليسار ، وجيء بالخير فجُعِل في هذه اليمنى ، ثم قُرِّبت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه " .

    إلى كل مريض :
    يستطيع الإنسان أن يحرِّك رجله إن أراد أو يهوي بيده أو يرفعها ، لكن هل يستطيع أن يفعل ذلك مع قلبه؟! كلا والله .. فكيف تتعامل مع قلب لا سلطان لك عليه بل لا سلطان عليه إلا لله ، ولا معرفة لك بأسراره وكنهه بل لا يعرف ذلك إلا الله؟! ألا فليعلم كل من أراد علاج قلبه اليوم دون الاستعانة بربه أنه لن يزداد إلا مرضا ، ألا وقل لطالبي الشفاء من عند غير الله : يا عظم خسرانكم ، ألا قل للواقفين بغير بابه : يا طول هوانكم ، ألا قل للمؤمِّلين لغير فضله : يا خيبة آملكم ، ألا قل للعاملين عند غيره : يا ضلال سعيكم.
    من الذي يستطيع أن يحول بينك وبين الدواء ، ويمنع عنك الطاعة؟! ومن الذي يُبدِّل الأمن خوفا والجبن جرأة؟! ومن الذي يقلب الكره حبا والحب كرها؟!
    أخي .. دواؤك عنده فلا تلتمسه عند غيره ، وشفاؤك بيده فلا تُتعِب الأطباء معك ، وإن من شيء إلا عنده خزائنه ؛ وأنت تائه على أبواب الفقراء تتسول!!

    10. الانقلاب :

    القلب هو أرق أعضاء الجسم وأسرعها تأثرا بما يحيط به ويغشاه ، ومن رقته أن تؤثِّر فيه أدنى خاطرة وأقل هاجس ، وأثر القليل عليه كثير ، فالآفات إليه أسرع ، وهو إلى الانفلات أدنى ، ومن الانقلاب أقرب ، فإن قلب المرء وإن صفا زمنا ، وثبت على الإيمان فترة ، واستلذ بحلاوته حينا ، فإنه معرّض للانتكاسة ، وهذه هي طبيعة القلب ومنها اشتُقَّ اسمه ، قال القرطبي وهو يشرح معنى كلمة القلب :
    " وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته ، وقلبت الإناء : رددته على وجهه ، ثم نُقِل هذا اللفظ فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل :
    ما سُمِّي القلب إلا من تقلُّبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحول
    "
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما سُمِّي القلب من تَقَلُّبِه ، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يُقلِّبها الريح ظهرا لبطن » ، وإن القلب شديد التقلب سريع التحول ، ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا فيقول : « لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانًا » .
    إن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة من الإيمان التي يجدها بعد أعظم العبادات قدرًا ، وعقب أكثر المواسم خيرا وفضلا ؛ أمر مستحيل ؛ لشدة انشغال القلب بالدنيا وملذاتها ، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح ، بل وتعرّضها لغزوات الشيطان المتلاحقة ، وتلاعب اليهود بالعورات ، وعزفهم على وتر الأهواء ، ومع ذلك أريد أن أطمئنك وأُخوِّفك في الوقت ذاته ما دام تقليب القلوب بيد الله وحده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرِّفه حيث يشاء » ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك » .
    أخي .. لقد صليت اليوم خمس صلوات فأجبني صادقا : كم مرة دعوت بهذا الدعاء؟! مع أنك أحوج إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفتن اليوم أعم وأطغى ، والقلب أضعف وأوهن ، فاحرص على ما بينك وبين الله ، وصِل ما انقطع من حبالك معه حتى يثبِّتك على مرضاته اليوم ويهديك.

    11. أطباؤه مرضى :

    وطب القلوب من العلوم التي شحَّت في زماننا ، ونتج عنه المرض الذي عمَّ وانتشر حتى أصاب كثيرا من علمائنا وحاملي دوائنا ؛ فحفظت أذهانهم الشروح والمتون ، ونسيت جوارحهم الهدى والمنون ، وقالت ألسنتهم أنهم عالمون ونطقت أفعالهم أنهم جاهلون.
    وأكثر علماء زماننا نوعان :
    نوع منكبٌ على حطام الدنيا لاهث وراءها ، لا يمل جمعها ، ويتقلب شهره ودهره في ملذاتها ، وقد أخذت دنياه بمجامع قلبه ، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر ؛ وأكثر هؤلاء دُفِع إلى ذلك دفعا وأُريد له أن ينشغل بالسعي وراء لقمة العيش والكدِّ من أجل الرزق وأُعطوا في مقابل ذلك الكفاف ؛ ليس غير الكفاف ، ليظلوا دوما غارقين في الإعصار ، دائرين في الرحى ، لا يبلغون ما يأملون ، ولا يتركون السعي إلى ما يطمحون ، وبذلك نسوا أسمى مهامهم وأشرفها وهي وراثة الأنبياء والقيام بوظيفة الرُّسل.
    ونوع آخر اختصر الطريق على نفسه ، ورضي بالحرام السهل ، والشبهة المربحة ، واتخذ الإيمان سلعة ، يبيع بعضه أو كله ، ويقبض الثمن توسعة وإكراما وإغداقا وأموالا ، أهل تصنُّع ودهاء ، وتزيُّن للمخلوقين ، وتملُّق للحكام ، يلتقطون الرُّخص ويفتون بها ، ديدنهم المداهنة ، وطريقتهم المنافقة ، ولذا عمَّ البلاء وعزَّ الدواء ، وقد سبق للعالم المجاهد عبد الله بن المبارك أن رأى أحد إخوانه يسلك أول هذا الطريق فقام بواجبه في النصح على الفور ، ومدَّ له يد العون ، وما أطيب سيرة رجل كابن المبارك كأريج الزهور تنقلها الريح من سهل إلى سهل ومن عصر إلى عصر متجاوزة حدود الزمان والمكان ، لتنقل لنا أنه لما قيل له : إن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات كتب إليه ابن المبارك [ ت : 181 ] أبياتا من الشعر تصلح لكل زمان سرى فيه هذا الداء فقال :
    يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
    احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
    فصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواءً للمجانين
    أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين
    أين رواياتك والقول في ... لزوم أبواب السلاطين
    إن قلت أُكرهتُ فماذا كذا ... زلَّ حمار العلم في الطين

    فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى .
    وإن كان لموت القلب علامات تختلف من شخص إلى آخر ومن مهنة إلى أخرى ؛ فإن أبرز علامات موت قلب العلماء وأشهرها هي ما عرفناه من مالك بن دينار [ ت : 130 ] الذي قال : " سألتُ الحسن [ ت : 110 ] : ما عقوبة العالم؟ قال : موت القلب. قلت : وما موت القلب؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة " .
    وسمَّاهم ربيعة الرأي [ ت : 133 ] بالسفلة وسفلة السفلة ، فقد روى مالك بن أنس [ ت : 179 ] : " قال لي أستاذي ربيعة الرأي : يا مالك! من السفلة؟ قلت : من أكل بدينه ، فقال : فمن سفلة السفلة؟ قال : من أصلح دنيا غيره بفساد دينه " .
    أظهروا لله دينا * وعلى الدينار داروا
    وله صاموا وصلوا * وله حجوا وزاروا
    لو بدا فوق الثريا * ولهم ريش لطاروا

    عالم السوء الذي لا يعمل بعلمه فتنة ووبال على نفسه وغيره ، ومَثَله مثل صخرة وقفت في فم النهر ؛ لا هي تشرب ولا هي تدع الماء يخلص إلى الزرع .. ارحمونا يا علماء السوء!!
    إن الفقيه إذا غوى وأطاعه ** قوم غووا معه فضاع وضيَّعا
    مِثل السفينة إن هوت في لجة ** تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا

    12. رسالة تحذير :

    قال صلى الله عليه وسلم : « أول ما يُرْفع من الناس الخشوع » .
    وهو إشارة إلى أن علم القلوب سيضمحل وسط طغيان علوم الدنيا ، وأن أسراره ستضيع وبركاته ستذهب وسط الزحام ، وهو أول فساد يمس الأرض بعد رسول الله ، ليكون علامة على خبث الباطن ، ومخالفة السر العلن ، وعندها فساد كل شيء : تذبل القلوب لموت الأرواح فيها ، وتقرأ الألسنة العربية القرآن وكأنها أعجمية ، فلا فهم ولا تدبر ولا امتثال ، وتنشغل الأمّة –إن انشغلت- بمظهر العبادة دون جوهرها ، وتهتم بأركانها دون مقاصدها ، ويكثر البهرج الزائف وإن اتَّشح بوشاح القرآن. قال صلى الله عليه وسلم : " أكثر منافقي أمّتي قرَّاؤها " .
    وإذا فشا النفاق في أمّة رأيتَ العجب العجاب ، ليس في زماننا فحسب ، بل وفي زمان من هم أزكى منا وأطهر ، وليس بين العوام بل بين حفظة كتاب الله.
    قال النووي [ ت : 606 ] : ما أخاف على ذِمِّي إلا القُرَّاء والعلماء ، فاستنكروا منه ذلك ، فقال : ما أنا قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي ، وقال عطاء : احذروا القُرَّاء واحذروني معهم ، فلو خالفتُ أودَّهم لي في رمانة ؛ أقول إنها حلوة ويقول إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر ، وقال الفضيل لابنه : اشتروا دارا بعيدة عن القُرَّاء ؛ ما لي والقوم! إن ظهرت مني زلة قتلوني ، وإن ظهرت علي حسنة حسدوني .
    وهل هذا إلا لفساد الباطن وخبث السريرة ؛ مع أن الله قد يهدي بقراءتهم الألوف من الناس ، لكن ذلك لا يُغني عنهم من عذاب الله من شيء إن هم فسدت قلوبهم ، وهذا ما سبق وحذَّرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله :
    « إن أخوف ما أخاف على أمّتي كل منافق عليم اللسان » .
    قال المناوي شارحا :
    " أي كثير علم اللسان ، جاهل القلب والعمل ، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وأبهة يتعزز ويتعاظم بها ؛ يدعو الناس إلى الله ويفرُّ هو منه ، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه ، ويُظهِر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم ، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب ، فهذا هو الذي حذَّر منه الشارع هنا حذرا من أن يخطِفك بحلاوة لسانه ، ويُحرِقك بنار عصيانه ، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه " .
    وسبب تحديث عمر رضي الله عنه بهذا الحديث أن الأحنف بن قيس سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوَّها ، فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة ، فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ، ثم دعاه فقال : تدري لم حبستك عني؟! قال : لا. قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا فذكر الحديث ، ثم قال : " خشيتُ أن تكون منافقا عليم اللسان ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا منه ، وأرجو أن تكون مؤمنا فانحدر إلى مصرك " .

    13. أعمال القلوب أولى وأغلى :

    لعمل القلب المكانة العظمى والمنزلة الأسمى في دولة الإيمان ، لذا ذكر العلماء أن عمل القلب أهم من عمل الجوارح ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
    " ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، وأنها لا تنفع بدونها ، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح ، وهل يُميِّز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم ، فهي واجبة في كل وقت " .
    وقال في موضع آخر :
    " فعمل القلب هو روح العبودية ولبها ، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح " .
    وقال أيضا :
    " فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح ؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها " .
    ولهذا يسبق أصحاب القلوب أصحاب الجوارح بمراحل وعلى الدوام ، " فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق ، فان العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتُطيِّب السير ، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل ، فإن ساواه في همته تقدَّم عليه بعمله " .

    14. عليه مدار الأجر وتفاوته :

    فتتفاوت الأجور في كل عمل حسب محتوى القلوب ، ففي الصلاة : قد يصلي الرجلان في صف واحد وبين ثوابهما كما بين السماء والأرض ، وقد ينفق الأخوان مبلغا واحدا فينال أحدهما أجرا واحدا بينما الآخر ينال سبعمائه أجر أو أكثر ، وقد يدرك قلبان ليلة القدر فيتضاعف أجر أحدهما عن الآخر أضعافا مضاعفة ، بل حتى في الجهاد ؛ ففي غزوة مؤتة لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ، ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِل رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم : « لقد رُفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : عمَّ هذا؟! فقيل لي : مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى » .
    لحظة واحدة من عمل القلب كانت سببا في تأخر ابن رواحة ، ولمحة من طرْف العين أنزلته دون صاحبيه ، ليحوز شهادة دون شهادة ، وفوزا دون فوز ، وهذ كله من عمل لحظة!! لكنها لحظة قلبية ، لكن كيف بمن غرق قلبه الأيام والأعوام في غفلات متتابعات وسكرات متلازمات؟! تُرى كم يتأخر في الجنة ؛ هذا إن دخلها!!
    لذا أدرك ابن عطاء السكندرى قيمة عمل القلب فانطلق يرسي قاعدة وزن الأعمال ، وهي قاعدة سارية المفعول في زمانه وغير زمانه :
    " ما قلَّ عمل برز من قلب زاهد ، ولا كثر عمل برز من قلب راغب " .
    وأكَّدها يحيى بن معاذ في قوله الأخَّاذ :
    " مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب " .
    بل وشهد لأعمال القلوب من قبل هؤلاء جميعا الصحابي المُعلَّم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال مخاطبا جموع التابعين المجدّين في عبادات الجوارح :
    " أنتم أطول صلاة ، وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله ، وهم كانوا أفضل منكم ". قيل له : بأي شيء؟ قال : " إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم " .

    15. رفعة الدنيا وشرف الآخرة :

    واسمع كيف رفعت القلوب قوما كانوا خدما وعبيدا ، وسمت بذكرهم فوق السحاب ، ووالله لو كانت قلوبهم غير نقية أو خالصة لطمس الله ذكرهم وبعثر علمهم ومحى سيرتهم ، أو قرنها بكل خبيث وسوء ، ولكنه القلب الحي يظل ينبض بعد موت صاحبه يتغنى بالذكر الجميل والسيرة العطرة ، بذا نطق الأمير شوقي فقال :
    الناس صنفان : موتى في حياتهم ** وآخرون ببطن الأرض أحياءُ
    قال ابن أبي ليلى :
    " قال لي عيسى بن موسى وكان جائرا شديد العصبية (أي للعرب) : من كان فقيه البصرة؟ قلت الحسن بن أبي الحسن. قال : ثم من؟ قلت : محمد بن سيرين. قال : فما هما؟ قلت : موليان.
    قال : فمن كان فقيه مكة؟ قلت : عطاء بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وسعيد بن جبير ، وسليمان بن يسار. قال : فما هما؟ قلت : موالي.
    فتغيَّر لونه ، ثم قال : فمن كان أفقه أهل قباء؟ قلت : ربيعة الرأي ، وابن أبي الزناد ، قال : فما كانا؟ قلت : من الموالي.
    فاربدَّ وجهه ثم قال : فمن كان فقيه اليمن؟ قلت : طاووس ، وابنه ، وهمام بن منبه. قال : فما هؤلاء؟ قلت : من الموالي.
    فانتفخت أوداجه فانتصب قاعدا ، ثم قال : فمن كان فقيه خراسان؟ قلت : عطاء بن عبد الله الخراساني. قال : فما كان عطاء هذا؟ قلت : مولى.
    فازداد تغيظا وحنقا ، ثم قال : فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت : ميمون بن مهران. قال : فما كان؟ قلت : مولى.
    قال : فتنفس الصعداء ، ثم قال : فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت : فوالله لولا خوفه لقلت : الحكم بن عُيينة ، وعمار بن أبي سليمان ، ولكن رأيت فيه الشر ، فقلت : إبراهيم ، والشعبي. قال : فما كانا؟ قلت : عربيان. قال : الله أكبر! وسكن جأشه
    " .
    لله درُّهم .. عبيدٌ أشرف من سادة ، وهمم تناطح الجبال ؛ ونجوم ساطعة وإن رآهم الجاهل في أدنى سلم المجتمع أو في القاع ، وملوك آخرة ولو لم يجدوا ما يسد الرمق ، والسر من وراء هذا كله القلب ، وما يضرهم أن يكونوا من الحطام الفاني والعز الراحل فارغي اليد إذا كانوا من كنوز الشفاء ونوافع الدواء ممتلئي القلب؟! وصدق إقبال وهو يجزم :
    بامتثال الأمر يعلو من رَسَب ** وهوى الطاغي ولو كان اللهب


  6. #4


    16. العلم الحقيقي :

    وهو علم القلوب ، وقد فهم سلفنا الصالح أهمية هذا علم القلوب على سائر العلوم ، فقال عنه أبو حامد الغزالي : " وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة " ، وقال عمرو بن قيس الملائي : " حديث أُرقِّق به قلبي ، وأتبلَّغ به إلى ربي ، أحب إليَّ من خمسين قضية من قضايا شُرَيح " ، بل لما قيل للإمام أحمد : من نسأل بعدك؟! قال عبدالوهاب الوراق. قيل له : إنه ليس له اتساع في العلم قال : إنه رجل صالح مثله يُوفَّق لإصابة الحق ، وسُئل كذلك عن معروف الكرخي ؛ فقال : كان معه أصل العلم : خشية الله .
    واستُفتي الحسن عن مسألة فأجاب فقيل له : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك ، فقال : " وهل رأيت فقيها قط؟! الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا " .
    وعن ليث قال : " كنت أسأل الشعبي فيُعرِض عني ويجبهني بالمسألة ، فقلت : يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! تروون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسألة ، فقال الشعبي : يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء ، ولكنا قوم قد سمعنا حديثا ، فنحن نحدثكم بما سمعنا ، إنما الفقيه من ورع عن محارم الله ، والعالم من خاف الله " .
    وليس الوصول إلى الله والدار الآخرة بكثرة العلم والرواية بل بثمرة العلم والهداية ، وما قيمة علم لا يدفع صاحبه إلى العمل؟! وهل هو إلا حجة عليه ودليل إدانته وعلامة استهزائه بربه؟! لذا كان نهج السلف تجهيز تربة القلب وإعدادها جيدا قبل أن يبذروا فيها أي بذرة علم. قال سفيان الثوري : " كان الرجل لا يطلب الحديث حتى يتعبَّد قبل ذلك عشرين سنة " .
    يا من تباعد عن مكارم خلقه ** ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
    من لم يهذِّب علمُه أخلاقَه ** لم ينتفع بعلومه في الآخرة


    المحتالون
    وإذا مرِض قلب العالم استخدم علمه في حِيَل يظن بها أن يتخلص من حكم الشرع وعاقبة البغي وكأن الله غير مطَّلع عليه ، وقد انتشرت هذه الحيل عندما وهن الإيمان في الصدور واستثقل الناس أحكام الشرع ؛ حتى أفرد ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان فصولا عن الحيل وأقسامها ، واسمع إلى واحدة من هذه الحيل يرويها لك أبو حامد الغزالي :
    " وحُكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ، ويستوهب مالها إسقاطا للزكاة ، فحُكِي ذلك لأبي حنيفة رحمه الله ؛ فقال : ذلك من فقهه ، وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا ، ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية ، ومثل هذا هو العلم الضار " .
    لذا كان عليك وأنت تدرس أي علم من علوم الشرع اليوم أن تقرأه بروح جديدة ، وقلب كأنه وُلِد اليوم ولم يتلطَّخ بخطيئة بعد ، وخذ مثلا على ذلك : عِلم السيرة الذي حثَّك الأستاذ البهي الخولي على قراءته بهذه الطريقة الجديدة باستخدام قلبك قبل عينك ، وبروحك وعاطفتك مع عقلك ، وأرشدك إلى الطرح الحي فقال :
    " أن تُكثِر مصاحبة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته المطهرة مصاحبة وجدانية عميقة ، تجعلك في مجلسه عليه السلام إذا جلس ، وفي ركابه إذا ركب ، وفي معيته إذا سار ، وتُسمعك قوارع وعظه ، وتُسرِّب إلى قلبك رقة مناجاته إذا ناجى ربه في جوف الليل ، أو في خلوات النهار ، وتصل عواطفك بعواطفه صلوات الله عليه ، حتى تكاد تشعر بخلجات قلبه العظيم إذا غضب ، وبشاشته وسماحته إذا تسهل لشيء وتهلل ، وتسلكك في صفوف المؤمنين به ، فأنت معهم حين يسامون العذاب ، تألم كما يألمون ، وتهاجر كما يهاجرون ، تهاجر معهم بوجدانك وخيالك وعواطفك إلى الحبشة أو غيرها من بلاد الله ، فإذا شرع له الجهاد في المدينة ، فأنت تحت لوائه المظفر ، تشهده ممتطيا صهوة جواده ، وقد لبس لأمة الحرب ، وتقلَّد السيف ، وأخذ برمحه ، فهو فارس الميدان ، وقائد الفرسان ، تزهر عيناه الشريفتان من تحت مغفره صلى الله عليه وسلم ، فما يصعد شرفا ولا يهبط واديا ، ولا ينال من عدو نيلا إلا وأنت معه عليه السلام ، تكاد تضرِب إذا ضرب ، وتُقدِم إذا أمر ، وتفديه بما تملك ، وتحوطه بكل ما في سويداء قلبك من حب وعاطفة " .

    17. شرط الطبيب الناجح :

    قال ابن القيم في كتابه الطب النبوي عندما تكلم عن الطبيب الحاذق وذكر أنه يجب أن يراعى في علاجه عشرين أمرًا كان منها :
    " أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود ، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل ، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب ، وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه ، وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر " .
    إن غاية ما وصل إليه طب الدنيا أنه يصف الدواء ، لكنه لا يضمن لك حتمية الشفاء ، أما دواء الآخرة فالله هو الذي ضمن لمن تناوله تمام الشفاء ، ولو علم الناس ما للطاقة الروحية من فوائد علاجية على الجسم والنفس لتخلوا عن استعمال كمية وافرة من الأدوية التي في معظمها لا تعالج إلا الأعراض ، ولا تنفذ إلى الأسباب ، وقد كان سلفنا الصالح أدرى ما يكونون بذلك ، فأرشدوا أطباء الدنيا إلى ما غاب عنهم من طب الآخرة ، وعلَّموهم أن راحة قلب للمريض وسعادته لها أعظم الأثر في محاصرة داء الجسد ودفع بلائه.
    قال ابن القيِّم وهو يصف حال شيخه ابن تيمية :
    " وحدَّثني شيخنا قال : ابتدأني مرض ، فقال لي الطبيب : إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض ، فقلت له : لا أصبر على ذلك ؛ وأنا أحاكمك إلى علمك ، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت قويت الطبيعة فدفعت المرض ، فقال : بلى ، فقلت له : فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم ، فتقوى به الطبيعة ، فأجد راحة ، فقال : هذا خارج عن علاجنا " .

    18. قلب يقلب المعركة :

    قد يدخل قلبٌ المعركة فيقلب الهزيمة الساحقة نصرا مبينا خاصة إن كان من نوع قلب أبي طلحة رضي الله تعالى عنه الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم : « صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل » .
    صوته فحسب بألف فكيف بسيفه؟! وهل بلغ هذا إلا بقلبه وما يحويه قلبه؟ وهل هذا إلا نتاج شجاعته وإقدامه وثباته وإيمانه وهي كلها أعمال قلوب؟! رحمة الله عليه وكأنه يشرح بفعله معنى قول ابن الجوزي :
    " الشجاع يلبس القلب على الدرع ، والجبان يلبس الدرع على القلب " .
    ليدخل بذلك في زمرة من عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :
    « خير الصحابة أربعة ، وخير السرايا أربعمائة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ، ولا تُهزَم اثنا عشر ألفا من قلة » .
    ومعنى آخِر مقطعٍ في الحديث : « ولا تُهزَم اثنا عشر ألفا من قلة » : أن هزيمة أي جيش إن بلغ هذا العدد لا تكون بسبب قلته لكن بسبب قلوب جنوده ، فهل علمتم الآن سبب غثائية الأمّة وكثرة زبدها وضعف قوتها ووهن عزيمتها وتبوئها ذيل الأمم؟
    وفي المقابل : قد ينقلب قلب نصر الأمة هزيمة ماحقة ، فإن مرضا واحدا من أمراض القلب وهو الوهن كان كافيا لتسلط حفنة من اليهود لا تجاوز ملايينها عدد أصابع اليدين على مقدَّرات أمّة فاق عددها الألف ومائتي مليون مسلم ، إن قلوبنا هي سلاحنا الحقيقي في معركتنا الفاصلة مع العدو ، لذا كانت ولا زالت هي هدف العدو الأساسي ومرمى سهامه الوحيد ، يبث فيها السم ليتفشى فيها الداء ؛ فتبقى دوما طريحة فراش الشهوات والأمنيات ، وتترك بوابة الأمّة مفتوحة على مصراعيها لغارات العدو بعد أن رفعت رايتها البيضاء مستسلمة.
    ويعضِّد هذا قول رسولنا صلى الله عليه وسلم : « صلاح أول هذه الأمّة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل والأمل » ، وهي كما ترى ليست أعمال جوارح بل أعمال قلوب ، فاعلم قدر قلبك وأعطه ما يستحق واعتن به يا غافلا عن أثمن ما يملك!! نصر الأمّة في قلب وهزيمتها من قلب ، فأي القلبين قلبك؟!

    19. مستودع الأخلاق والمشاعر :

    إن قلب المرء هو الذي يتحكم في أخلاقه ويكظم انفعالاته ويضبط سلوكه ويهذِّب الشارد من طباعه ، وهل تسكن أخلاق الأمانة والوفاء والصبر والحلم والرحمة والعفو والصدق والعدل بيتا غير القلب؟! ولذا قال الأحنف بن قيس :
    ولربما ضحك الحليم من الأذى ** وفؤاده من حرِّه يتأوَّه
    ولربما شكل الحليم لسانه ** حذر الجواب وإنه لمُفوَّه

    فحُسْن الخلق من حياة القلب ، وسوء الخلق من مرض القلب أو موته ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، ولذا فقد كان قلبه أعمر القلوب بالحياة حتى أيقظ قلوب كل من كان حوله في حياته وبعد رحيله.
    قال أبو حامد الغزالي :
    " القلب خزانة كل جوهر للعبد نفيس ، وكل معنى خطير ، أولها العقل ، وأجلُّها معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين ، ثم البصائر التي بها التقدُّم والوجاهة عند الله تعالى ، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلَّق ثواب الأبد ، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد ، وسائر الأخلاق الشريفة الخصال الحميدة التي بها يحصل تفاضل الرجال ، وحُقَّ لهذه الخزانة أن تُحفظ وتصان عن الأدناس والآفات ، وتُحرس وتُحرز من السُرَّاق والقُطَّاع ، وتُكرم وتُجَلُّ بضروب الكرامات ، لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس ، ولا يظفر بها -والعياذ بالله- عدو " .
    إن قلبا عزيزا يمتلئ بالحزن سوف يرسل الأوامر إلى الوجه ليبتسم حتى لا يعلم الناس ما به من أذى ، فإن علموا ما به ظلَّ متألما بِذُلِّ الشكوى محترقا بنار شفقة الناس عليه ، وهكذا كان قلب العزيز أسامة بن منقذ حين قال :
    نافقتُ قلبي فوجـهي ضاحكٌ جذِل ** طلـق وقلبي كئيب مُكْمد باكِ
    وراحة القلب في الشكوى ولذتها ** لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي

    إن القلب والباطن هو من يضبط ويتحكم في الجوارح والظاهر ليظهر أمام الناس ما يسمح به القلب فحسب ، ويأذن به ويرضاه ، واسمع مرة ثانية إلى قول أسامة بن منقذ وتمثيله الجميل :
    انظر إلى حسن صبر الشمع يُظهِرُ للـ ** رائين نورا وفيه النار تستعِر
    كذا الكـريم تراه تـراه ضاحكا جـذِلا ** وقلـبه بدخـيل الغـم منفطر


    20. بين الموت والحياة :

    قال تعالى :
    ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [ الأنعام : 122 ]
    وهذا مثل ضربه الله للذي هداه بعد الضلالة وشبَّهه بأنه كان كالميت الذي أحياه الله ، وجعل له نورا يمشي به في الناس مستضيئا به ، فيميز بعضهم من بعض ، ويفصل بين أبيضهم وأسودهم وجميلهم وقبيحهم ومن يعرف منهم ومن لا يعرف ، ويسير فلا يتعثَّر أو ينكب على وجهه ، ويعرف طريقه بل يساعد غيره على معرفة طريقه : يرشد العميان ويهدي الحيران ، أهذا مثله مثل من بقي على الضلالة المتخبط في الظلمة لا ينفك منها ولا يتخلص؟!
    ولكي تفهمه الفارق جيدا بين الفريقين وترى التناقض الكبير والبون الشاسع بين طريقين ، فاسمع ما قاله زيد بن أسلم والإمام السُّدِّي في تفسير هذه الآية :
    " ﴿ فَأَحْيَيْنَاهُ : عمر رضي الله عنه ، ﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ : أبو جهل لعنه الله " .
    إنه الفارق بين السماء والأرض ، لكن الصحيح أنها عامة في كل مسلم وكافر ، أو ضال ومهتدي ، ووصف الموت هذا أحد عشرة أوصاف وصف الله بها قلوب الكافرين في القرآن. قال الإمام القرطبي :
    " وقال أهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار ، فقال في الإنكار : ﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [ النحل : 22 ] ، وقال في الحميّة : ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ ﴾ [ الفتح : 26 ] ، وقال في الانصراف : ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [ التوبة : 127 ] ، وقال في القساوة : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [ الزمر : 22 ] ، وقال : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ [ البقرة : 74 ] ، وقال في الموت : ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾ [ الأنعام : 122 ] ، وقال : ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ [ الأنعام : 36 ] ، وقال في الرين : ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [ المطففين : 14 ] ، وقال في المرض : ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ [ البقرة : 10 ] ، وقال في الضيق : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ [ الأنعام : 125 ] ، وقال في الطبع : ﴿ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [ التوبة : 87 ] ، وقال : ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ [ النساء : 155 ] ، وقال في الختم : ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ [ البقرة : 7 ] " .
    وفي مقابل وصف : ميت ؛ أطلق الله على كل من قُتِل جهادا في سبيله لفظ : حي ، بل حرَّم علينا أن نطلق عليهم لقب أموات ، وما ذلك إلا لحياة قلبه ، فقال : ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [ آل عمران : 154 ]
    فنهانا سبحانه أن نطلق على الشهيد كلمة : ميت ، فهو حي في حياته وبعد رحيله ، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن طلحة بن عبيد الله وهو حي : « طلحة ممن قضى نحبه » ، فالحي حي في حياته وبعد مماته ، وميت القلب ميت في حياته وبعد موته ، وحياة قلب الشهيد توحي بها معنى كلمة شهيد والتي تعني أنه شهد على الغيب حتى صار عنده شهادة ، ولأنه رأى بقلبه ما لا يراه الناس إلا بعد موتهم ؛ فأقدم على التضحية بأغلى ما يملك ؛ كوفئ باستمرار إطلاق صفة الحياة عليه حتى بعد الموت
    .


  7. #5
    الفصل الثاني : أقسام القلوب
    تُرى لو قبضنا الله الآن فبأي قلب نلقى الله؟! واسأل نفسك اليوم صادقا : قلبك معك أم عليك؟! عندك أم عند غيرك؟! ومن العجب أن الرجل فينا كلما لقي أخاه أو صاحبه سأله عن أولاده وعن عمله وعن أهله وعن صحته وعن تجارته وعن كل شيء ، لكنه لا يسأله أهم سؤال : ما حال قلبك؟ ولو سُئل أحدنا هذا السؤال لاستغرب أشد الاستغراب هذا إن فهمه في الأصل ، فأي القلوب قلبك؟! أم أنك لا تملك قلبا من الأساس؟!
    قال ابن القيِّم :
    " اطلب قلبك في ثلاثة مواطن : عند سماع القرآن ، وفي مجالس الذكر ، وفي أوقات الخلوة ، فان لم تجده في هذه المواطن ؛ فسل الله أن يمنّ عليك بقلب فإنه لا قلب لك " .
    ولذا لما قابل رجلٌ قلبا من القلوب الحية من أمثال الربيع بن خثيم وسأله عن حاله انصرف عقل الربيع أول ما انصرف أنه يسأله عن قلبه وحياة روحه ، فلما قال له قائل : كيف أصبحت؟ قال : " أصبحنا مذنبين ، نأكل أرزاقنا ، وننتظر آجالنا " .
    فكم منا يفهم ما فهم الربيع ، ويجيب مثل ما أجاب؟! فالحياة حياة القلب ، والموت موت القلب ، والمرض مرض القلب ، وإلى أقسام القلوب نتجوَّل في هذا الباب.

    1. القلب الحي :

    أ- إذا ذُكِر الله وجل قلبه :

    ولا تزال قصة الطبيب المسلم الذي عاد أحد مرضاه قديما دالة على معنى وجل القلب ، وذلك أنهم حكوا أن طبيبا ذهب ليتفقد أحد المرضى ، والذي كان طريح الفراش لا يُدرى سبب مرضه ، ولا يُعرف له علة ظاهرة ، فتناول الطبيب يد المريض ليقيس النبض ، وأخذ أثناء ذلك يسأل من حوله عن أحواله ، ثم عرَّج فسأل عن جيرانه ، فأخذ النبض عندها يسرع شيئا فشيئا ، حتى إذا سأل عن جار بعينه وهنا أسرع النبض أكثر ؛ حتى إذا سأل عن أبناء هذا الجار اضطربت أوصال المريض وازداد النبض علوا ، فلما ذُكِر أن له ابنة حسناء وأتى ذكر اسمها سَرَت الرعشة من نبضه إلى جسده الذي بدأ يرتجف وبصره الذي زاغ ووجهه الذي أمطر العرق ، فقال الطبيب لأهله عندها : هذا ليس بمريض!! هذا رجل عاشق!!
    ولله المثل الأعلى! أيحضر القلب عند ذكر الحبيب ولا يحضر عند ذكر المجيب؟! أتخشع الجوارح لذكر المخلوق ولا تبالي بذكر الخالق؟! أينقطع الفؤاد كمدا لغياب فان وزائل ولا يبالي بهجران باق ودائم؟!
    من علامات المحب انزعاجه عند ذكر محبوبه ، فإذا أردت اختبار قلبك لتعرف أي القلوب هو؟! فاسأل نفسك : أيحضر القلب عند ذكر ربه؟ أيخشع لسماع كلامه؟ أينصت لترديد أذانه؟ أبكى ليلة خوفا من عذابه؟ أضطرب يوما لاحتمال طرده من جواره؟ أقلق من خاتمة أعماله؟ كن صادقا وإن لم يطلع عليك أحد ، فإنه سبحانه أدرى منك بسريرتك وأعلم بك منك ، فاعرف موقعك من الإيمان كما سبق وعرف الحسن البصري لما سأله رجل فقال : يا أبا سعيد! أمؤمن أنت؟ فقال له : " الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ إلى قوله ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ فوالله ما أدري أنا منهم أم لا " .
    أحياء القلوب إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرُّوا سجدا وبكيّا بينما غيرهم خرَّ عليها صمّا وعميانا ، لأنهم أصحاب حياة يسمعون بقلوبهم قبل أسماعهم ، ولذا قال ابن زيد في قوله ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [ الحاقة : 12 ] واعية : " إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشر " .
    قال ابن القيِّم :
    " فالوعي توصف به الأذن كما يوصف به القلب ، يقال : قلب واع وأذن واعية لما بين الأذن والقلب من الارتباط ، فالعلم يدخل من الأذن إلى القلب ، فهي بابه والرسول الموصل إليه العلم ؛ كما أن اللسان رسوله المؤدي عنه ، ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم أن الأذن أحقها أن توصف بالوعي ، وأنها إذا وعت وعى القلب " .

    ‌ب- له في كل شيء عبرة :

    ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [ الحجر : 75 ] ، والمتوسِّمون هم المتفكرون المعتبرون الذين يتوسمون في الأشياء ويتفكرون فيها ويعتبرون ، ويدققون نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته.
    قال العلماء : التوسُّم من الوسم وهي العلامة التي يُستدل بها ؛ يُقال : توسمت فيه الخير إذا رأيت ملامح ذلك فيه ، ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم :
    إني توسَّمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابت البصر
    واتسم الرجل إذا جعل لنفسه علامة يُعرف بها ، والواسم : الناظر إليك من فرقك إلى قدمك ، وأصل التوسم التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم ، وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره.
    والإشارة ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ إلى جميع ما تضمنته القصة التي بدأت بقوله تعالى ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ، ففيها من الآيات الكثير : آية نزول الملائكة في بيت إبراهيم عليه السلام كرامة له ، وبشارته بغلام عليم ، وإعلام الله إياه بما سيحل بقوم لوط ، ونصر الله لوطا بالملائكة ، وإنجائه عليه السلام وآله ، وإهلاك قومه وامرأته لمناصرتها إياهم ، وآية عمى أهل الضلالة عن أنوار الهداية ، وآية غضب الله على المُصِرِّين على عصيان الرسل ، وهو إهانة للذين لم تردعهم العبر بأنهم دون مرتبة النظر ، وتعريض بمشركي مكة الذين لم يتعظوا ؛ بأن يحل بهم ما حلَّ بالأمم من قبلهم التي عرفوا أخبارها ورأوا آثارها ، وتعريض كذلك بمن سلك نفس الطريق من العصاة والغافلين.

    للفراسة رجالها
    ولا تكون الفراسة إلا بتفريغ القلب من هَمّ الدنيا ، وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول المباحات ، وعندها يجري على مرآة القلب كل حق لا خيال ، لأنه تقلب بين آيات الحق وأنوار الطاعات فانهالت عليه الفيوضات والإشراقات ، ومثل ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه : ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه.
    وما رُوِي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما : أراه نجارا ، وقال الآخر : بل حدادا ، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال : كنت نجارا وأنا اليوم حداد!!
    ورُوي عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال : من سمَّع سمَّع الله به ومن راءى راءى الله به ، فقلنا له : كأنك عرَّضت بهذا الرجل ، فقال : إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا ؛ فكان رأس الحرورية واسمه مرداس.
    ورُوِي عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال : هذا سيد فتيان البصرة إن لم يُحدِث ، فكان من أمره من القدَر ما كان حتى هجره عامة إخوانه.
    وقال لأيوب : هذا سيد فتيان أهل البصرة ولم يستثن.
    ورُوِى عن الشعبي أنه قال لداود الأزدي وهو يماريه : إنك لا تموت حتى تُكوى في رأسك وكان كذلك.
    ورُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر فصعَّد فيه النظر وصوَّبه وقال : أيهم هذا؟ قالوا : مالك بن الحارث فقال : ما له قاتله الله! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا ، فكان منه في الفتنة ما كان.
    ورُوِي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : أن أنس بن مالك دخل عليه وكان قد مر بالسوق ، فنظر إلى امرأة فلما نظر إليه قال عثمان : يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزني! فقال له أنس : أوحيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال : لا ! ولكن برهان وفراسة ، وصدق ، ومثله كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين .

    من ألوان الفراسة
    التفاعل مع الأحداث اليومية : صاحب القلب الحي إذا رأى ظلمة حسبها ظلمة القبر ، وإذا وجد لذة ذكر نعيم الجنة ، وإذا صرخ من ألم خاف عذاب النار ، وإذا شمَّ شواء ذكر جهنم ، وإذا رأى ضاحكا على معصية رقَّ لحاله في الآخرة ، وإذا رأى مطيعا على فاقة استبشر بنعيمه في الجنة.
    كان عمر بن عبد العزيز من أرباب القلوب الحية وكان واقفا مع سليمان بن عبد الملك ، فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة الرحل ، فقال عمر وهو المعتبر المتدبر بكل ما حوله : هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه؟!
    ومثله الحسن البصري الذي روى عنه سلام : " أُتي الحسن بكوز من ماء ليفطر عليه ، فلما أدناه إلى فيه بكى ؛ وقال : ذكرت أمنية أهل النار؛ قولهم : ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ ﴾ [ الأعراف : 50 ] ، وذكرت ما أُجيبوا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [ الأعراف : من الآية50) " .
    إن حياة القلب تمنح العين حياة فوق الحياة وبصيرة فوق البصر ، فإذا هي مثل عين أبي الفرج بن الجوزي الذي أبصر وتبصَّر فقال حاكيا إحدى تأملاته التي لا يدركها إلا من كان مثله :
    " رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلي ما عثر به فينظر إليه طبعا موضوعا في الخلق ، إما ليحذر منه أن جاز عليه مرة أخرى أو لينظر - مع احترازه وفهمه - كيف فاته التحرز من مثل هذا ، فأخذت من ذلك إشارة وقلت : يا من عثر مرارا .. هلا أبصرت ما الذي عثَّرك فاحترزت من مثله ، أو قبَّحت لنفسك -مع حزمها- تلك الواقعة " .
    قراءة الرسائل الربانية : وصاحب القلب الحي إذا وفّقه الله لطاعة سأل نفسه : بأي عمل صالح أثابني الله بهذه الطاعة؟ أبدعوة إلى خير أم بصلاة ليل أم بسعي في حاجة مسلم أم بعفو عن مسيء أم بإنظار معسر؟! فيراجع شريط ذكرياته ليُكرِّر صالح أعماله فينعم بنفس الثواب مرات كثيرة ، وقد جعل الله ثمارا عديدة تربو على الخمسين لمن حرس ثغور قلبه من عدوه ، ولم يُدخِل منها سوى الحسنات الموالية للقلب والعاملة على مصلحته ومنفعته ، لكن قضى الله أن لا يتذوق لذة هذه الثمرات إلا من زكى قلبه وسمت روحه ، ولذا قال ابن القيم وهو يحاول أن يقنعك بجدوى هذه الحراسة وفاعلية ترك الذنوب :
    " لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة ، وصون العرض ، وحفظ الجاه ، وصيانة المال الذي جعله الله قِواما لمصالح الدنيا والآخرة ، ومحبة الخلق ، وجواز القول بينهم ، وصلاح المعاش ، وراحة البدن ، وقوة القلب ، وطيب النفس ، ونعيم القلب ، وانشراح الصدر ، والأمن من مخاوف الفُساق والفجار ، وقلة الهم والغم والحزن ، وعز النفس عن احتمال الذل ، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية ، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار ، وتيسير عليه الرزق من حيث لا يحتسب ، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي ، وتسهيل الطاعات عليه ، وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس ، وكثرة الدعاء له ، والحلاوة التي يكتسبها وجهه ، والمهابة التي تُلقى له في قلوب الناس ، وانتصارهم وحميتهم له اذا أوذي وظُلِم ، وذبِّهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب ، وسرعة إجابة دعائه ، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله ، وقُرب الملائكة منه ، وبُعد شياطين الإنس والجن منه ، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه ، وخطبتهم لمودته وصحبته ، وعدم خوفه من الموت ، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه ، وصِغَر الدنيا في قلبه ، وكِبَر الآخرة عنده ، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها ، وذوق حلاوة الطاعة ، ووجد حلاوة الايمان ، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له ، وفرح الكاتبين به ودعاؤهم له كل وقت ، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته ، وحصول محبة الله له ، وإقباله عليه ، وفرحه بتوبته ، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه " .
    لكن .. تُرى هل يلمح هذه المكافآت أحد غير أحياء القلوب؟! وهل يقوم بشكرها غير من يتمتَّعون بالرقة الإيمانية والحساسية النورانية والفطرة التي لم تتدنس بعد؟
    ومن أحياء القلوب هؤلاء وأرباب المشاعر الرقيقة هذه : يحيى بن معاذ الذي لمح ذلك بما حباه الله من بصيرة إيمانية ثاقبة فقال :
    " إن العبد على قدر حبه لمولاه يُحبِّبه إلى خلقه ، وعلى قدر توقيره لأمره يُوَقِّره خلقه ، وعلى قدر التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه ، وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه ، وعلى قدر إدامته لطاعته يُحلِّيها في صدره ، وعلى قدره لهجه بذكره يديم ألطاف بره ، وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه ، فلو لم يكن لابن آدم الثواب على عمله إلا ما عُجِّل له في دنياه لكان كثيرا " .

    العقوبات إشارات
    وفي المقابل إذا حُرِم القلب الحي من طاعة بادر على الفور بالسؤال : بأي معصية حُرِمت وبأي خطيئة مُنِعت؟ أبكلمة غيبة؟ أبنظرة محرَّمة؟ أبعقوق والدة؟! أبسماع فحش؟! يسأل نفسه خاصة بعد أن ارتجف خوفا واضطرب وجلا واقتنع بسلامة تحليل ابن القيم الذي انتهى إلى ( أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم ، فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه ، وجعل عقوبة الغالِّ من الغنيمة لمّا قصد تكثير ماله بالغلول : حرمانه سهمه وإحراق متاعه ، وجعل عقوبة من اصطاد فى الحرم أو الإحرام : تحريم أكل ما صاده وتغريمه نظيره ، وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته : أن صيَّره عبدا لأهل عبوديته وطاعته ، وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق : أن تُقطع أطرافه وتُقطع عليه الطرق كلها بالنفي من الأرض ؛ فلا يسير فيها إلا خائفاً ، وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطء الحرام : إيلام بدنه وروحه بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة ، وشرع النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة من اطلع في بيت غيره : أن تقلع عينه بعود ونحوه ؛ إفسادًا للعضو الذى خانه ، وأولجه بيته بغير إذنه ، وعاقب من حرص على الولاية والإمارة والقضاء بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص عليه ، ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام بأن أخرجه من الجنة لما عصاه بالأكل من الشجرة ليخلد فيها ، فكانت عقوبته إخراجه منها ضد ما أمَّله ، وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم ؛ يأخذ من أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا ، وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم ، فيمحق بذلك أموالهم ، ويستوى غنيهم وفقيرهم في الحاجة ، وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وطلبوا الهدى من غيره : بأن يضلهم ويسد عليهم أبواب الهدى ، وهذا باب واسع جدا عظيم النفع لمن تدبَّره يجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته ، بأن يعكس عليه مقصوده شرعاً وقدراً دنيا وآخره ) .
    وممن تدبر هذا الباب : عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا أعقل ، فقد روى الزهري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابه حجر وهو يرمي الجمار فشجَّه فقال : " ذنب بذنب ، والبادي أظلم " .
    وآخر على الدرب يقتفي أثر الفاروق خطوة خطوة وقدمه في إثر قدمه وهو أبو زرعة الرازي ، فعن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال : " اعتل أبو زرعة الرازي ، فمضيت مع أبي لعيادته ، فسأله أبي عن سبب هذه العِلَّة ، فقال : بِتُّ وأنا في عافية ، فوقع في نفسي أني إذا أصبحت أخرجتُ ما أخطأ سفيان الثوري ، فلما أصبحتُ خرجتُ إلى الصلاة ، وفي دربنا كلبٌ ما نبحني قطٌّ ، ولا رأيته عدا على أحد ، فعدا عليَّ وعقرني ، وحُمِمت ، فوقع في نفسي أن هذا لِما وضعتُ في نفسي ، فأضربتُ عن ذلك الرأي " .
    وثالثهم سجَّان!! نعم سجَّان. قال بعض السجانين : " كنتُ سجَّانا نيِّفا وثلاثين سنة أسأل كل مأخوذ بالليل أنه هل صلى العشاء في جماعة؟! فكانوا يقولون : لا " .
    وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال : « لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر » ، بل وأكَّد : « المصائب والأحزان في الدنيا جزاء » .

    الراشد يَرْشُد ويُرْشِد
    وليست هذه الرسائل الربانية بحرمان الطاعات والقربات فحسب ، بل قد تكون كذلك بتعسير دنيا وتضييق رزق وعقوق ولد وتنغيص عيش وشجار زوجة ، لينتبه كل من لم ينتبه إلى عقوبة حرمان أجر الآخرة إن كان دنيوي الهمة لا تقلقه الآخرة بحال ، ولا يستيقظ إلا بحرمان دنيوي ، وللأستاذ الراشد إسقاط لطيف يقول فيه :
    " فلو أسلف مسلم حسنة فى المساء من صدقة ، أو صلاة بوقتها ، أو أمر بمعروف ، أو إغاثة لهفان ، أو تفهيم علم ، أو بذل شفاعة ، أو ستر عرض ، أو تخذيل عن شر ، أو خلافة غاز مجاهد ، فماذا يحدث له فى الصباح؟
    يستيقظ فإذا زوجه مبتسمة فى وجهه ، وإذا أولاده يستيقظون مع أول نداء ، على أتم نظافة ، وكل قد كتب واجبه المدرسى وجمع كتبه. فإذا أفطر : كان طعامه لذيذاً ، وتودعه زوجه بابتسامة أيضًا حتى إذا ركب سيارته –وهى دوابنا اليوم- وجدها سلسة تشتغل مع أول إدارة للمفتاح ، ووجد الإشارات الضوئية خضراء تفتح له الطريق مرحبة به ، والسائق الذى أمامه يسير وفق الأصول بأدب وهدوء ، حتى شرطى المرور يرفع له يده بالتحية.
    فإذا دخل مكتبه الوظيفى : وجده نظيفاً ، وجاءه من المراجعين أهل الرفق والأخلاق ، فإذا رجع : لم يجد ألذ من طعامه ، وهكذا سائر يومه!.
    ثم لو أسلف سيئة فى ليلة أخرى : من غيبة ، أو بخل ، أوتقاعس عن نجدة ، أو تأخير صلاة ، أو تنابز بالألقاب ، أو منع خير ، أو أذى جار ، أو انتصار بالباطل لزوجة في تعاملها مع زوج صاحبه ، فماذا يحدث له؟
    يستيقظ فإذا زوجه ذات عبوس وتأفف ، ولا يدرى سببًا منه مباشرًا في إغصابها ، ثم من بعد قليل إذا بها تولول ، ولربما فتش عن الفرد الضائع من حذاء ابنه نصف ساعة ، حتى يتأخر عن دوامه المدرسي ، ويكون طعامه مالحاً لا يكاد يسيغه ، وتعذِّبه سيارته نصف ساعة أخرى كي تشتغل ، وتكون كالدابة الشموس ، ويجد الإشارات الضوئية حمراء في وجهه ، ويُبتلى بسائق طائش عن يمينه ، ثم يوقفه شرطي مرور كان قد تشاجر مع زوجه هو الآخر فيفرغ همومه فيه ويحرر له مخالفة هو منها برئ ، وقد يبتلى ثالثة في مكتبه بمراجع فوضوى ملحاح يعكر عليه ويشكوه لدى الرئيس ، ولربما يجد في الآخر طعام غدائه دخانا محضا وتكون زوجه قد نسيت القدر على النار حتى احترق ، ويظل سائر يومه قلقًا كئيبًا ، حتى أن أقل عقوبته أن توقظه رنة الهاتف وهو في عز نوم القيلولة ، فيزعجه.
    وكلنا يمر بمثل هذه الأحوال ، ولكن الأقل هم الذين يرجعون بذاكرتهم إلى ما أسلفوا من حسنات أو سيئات تكون سببًا لهذه الأحوال ، والموفّق هو الذي يسرع إلى بديهته هذا المعنى فيعلم موطن قدمه ، فيزداد خيرًا وصعودًا ، أو يحذر المنزلق ، ويجد في هذه المعاكسات الخفيفة اللطيفة تحذيرًا يمنعه من الاسترسال في الغي وركوب الشهوات ، بل هي إشارات تحذير ربانية توازي اللمم والصغائر تنبهه إلى وجوب فطم النفس عن هواها ، وإلا عوقب بأكبر من ذلك ، من تضييق رزق ، وضياع تجارة ، وجلاء بركة ، ومرض متعب ، وتسلط ظالم ، وطلاق ، وقذف عرض ، وفشل في امتحان ، وسفاهة جار ، وبما هو أكبر من ذلك ربما ، ولهذا فإن هذه المعاكسات هي من تمام اللطف الرباني بمؤمن يفهمها ويستوجب موعظتها ، من أجل أن لا يتمادى ، بل قيل : هي مداعبة من الله للعبد ، يُذكِّره أنه معه وتحت رقابته ليستقيم
    " .
    يا إخوتاه .. النظر في العاقبة نجاة ، ومن كثر اعتباره قلَّ عثاره ، فما لنا لا ننتبه؟! مع ما قد ينتظرنا بعد لطيف العتاب من عنيف العقاب؟!

    والحر تكفيه الإشارة
    وهاك تجربة عملية ومقياس واقعي تعرف به حالة قلبك ومنسوب الإيمان فيه :
    كم من الليالي تنام متأخِّرا مع شدة التعب ومع ذلك تجد نفسك تنهض لصلاة الفجر أو للقيام دون أن يوقظك أحد!! وكم من الليالي نمت فيها فورا بعد العشاء ومع ذلك طلعت عليك الشمس بعد أن ضاعت عليك الصلاة!! إنها والله حياة قلبك ليس غير ، وقد علمت أن العبد يُقرع بالعصى ، والحر تكفيه الإشارة ، وهذه ليست إشارة واحدة بل إشارات ، وأنت لست عبد شهوة أو شيطان ، ولست ملك هوى أو غفلة بل أنت من سادات الأحرار وسالكي طريق الأبرار.

    ‌ج- انتفاضة الأحياء :

    فمع أن العين مبصرة لما حولها ، لكنها لو رأت مشهدا محرّما فلن يُمكِّن القلب الحي الخواطر منه بحال ، ومع أن الأذن مصغية ؛ لكنه لو كان الحرام لارتعدت وجلا ، وبنت على الفور سدا منيعا وحجابا حاجزا بينها وبين ما يُغضب الله ، وإذا جلس صاحب هذا القلب مجلسا وتسلل إليه الحرام للمحه على الفور وتسلل خارجا في الحال إن لم يقدر على التغيير والمواجهة ، وهذا هو مصدر سلامة هذا القلب وعنوان نقائه. قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [ الأعراف : 201 ]
    وتأمل قوله ﴿ مَسَّهُمْ ﴾ الدال على إصابة غير مكينة ، وذلك بسبب فزعهم إلى الله ليعصمهم من الشيطان عند ابتداء خواطره ؛ فإن الخواطر ولادة إن أُهملت لم تلبث أن تصير شهوة ، ثم تصير الشهوة إرادة ، ثم تصير الإرادة عزما ، ثم يتحول العزم عملا.
    وتأمل قوله ﴿ طَائِفٌ ﴾ وكأن خواطر الشر طافت بهم ، ودارت حولهم فلم تقدر أن تدخل إليهم وتؤثِّر فيهم لقوة قلوبهم ويقظة إيمانهم ، فهم كمن طاف به الخيال ولم يجرؤ على أن يدفعهم إلى الفعال ، والطائف يُطلق على الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له بالدخول ، فشبَّه الله الخاطر في ابتداء وروده في النفس بحلول الطائف على المكان دون أن يستقر فيه.

    ‌د- حلو اللسان

    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالا يرفع الله بها درجات » .
    والبال هو القلب ، وتأمل قوله « لا يُلقي لها بالا » ، أي أنها تخرج رغما عنه دون تفكير أو تدبر ودون أن يُمرَّها على قلبه ، ومع ذلك تخرج منه طيبة نقية ، لأن كل وعاء بما فيه ينضح ، وحديقة الورد لا يفوح منها غير شذى الورد ، إن حي القلب يتذوَّق كل كلمة بقلبه قبل النطق بها ، فإن كانت حلوة علم أن طعمها في الآخرة سيكون أحلى فأطلقها ، وإن كانت مُرَّة عرف أن طعمها في الآخرة أشد مرارة فسكت.
    واسمع إلى طهارة لا تدانيها طهارة ، وقلب طهور كالماء الطهور طاهر ومطهِّر لما حوله من القلوب ، وهو قلب عبد الله بن عون الذي قال عنه خارجة بن مصعب : " صحبتُ عبدالله أربعا وعشرين سنة ، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة " .
    فمهما استفزه الشيطان ببعض جنده وكافة حيله واجتمع عليه من أعوانه ما اجتمع ؛ فلن يفلحوا إذا أبدا ، فعن بكار بن محمد وابن قعنب قال : " كان ابن عون لا يغضب فإذا أغضبه الرجل قال : بارك الله فيك " .
    ومن ذلك أن جاءه غلام له فقال : فقأت عين الناقة!! قال : بارك الله فيك. قال : قلت فقأت عينها فتقول بارك الله فيك!! قال : أقول .. أنت حر لوجه الله.
    أي تربية؟! وأي صفاء ونقاء؟! وأي مجاهدة أورثت هذا السمو الراقي من سماحة النفس وطيب الكلم وروعة التقى حتى صار مضرب الأمثال ، ومنتهى غاية الصالحين ، وأسمى أمنيات المخلصين ؛ في عصره وغير عصره ، فعن معاذ بن معاذ قال :
    " حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد قال : إني لأعرف رجلا منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون فما يقدر عليه ، وليس ذاك أن يسكت رجلٌ لا يتكلم ، ولكن يتكلم فيسلم كما يسلم ابن عون " .
    لكنه ليس وحده في الميدان بل ينافسه في الحلبة أطهار كُثر ، منهم الفضيل الذي أراد أن يعطِّر ألسنتنا ويطيِّب كلامنا بطريقته الخاصة وأسلوبه المقنع فقال :
    " حسناتك من عدوك أكثر منها من صديقك!! قيل : وكيف ذلك يا أبا علي؟! قال : إن صديقك إذا ذُكِرتَ بين يديه قال : عافاه الله ، وعدوك إذا ذُكِرت بين يديه يغتابك الليل والنهار ، وإنما يدفع المسكين حسناته إليك ، فلا ترضَ إذا ذُكِر بين يديك أن تقول : اللهم أهلكه .. لا ، بل ادعُ الله : اللهم أصلحه .. اللهم راجع به ، ويكون الله معطيك أجر ما دعوت به ، فإنه من قال لرجل : اللهم أهلكه ، فقد أعطى الشيطان سؤاله ، لأن الشيطان إنما يدور على هلاك الخلق " .
    رحمة الله على أصحاب تلك القلوب ، وصدق فيها وصف من وصفها بقوله :
    " إن من الرجال ما هو كالنسخة المخطوطة ؛ ربما كانت ناقصة أو مخرومة ، أو مسَّ الزيت أطرافها فأفسدها ، ولكنها أثمن وأغلى لأنها واحدة لا ثانية لها " .

    الرسول قدوتنا
    ولماذا نذهب بعيدا وبين أيدينا سيد القدوات نبينا صلى الله عليه وسلم الذي روى عنه جابر بن سمرة رضي الله عنه : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت قليل الضحك » ، وهو مع صمته كان إذا تكلم لا يُخرِج غير الرحيق والعبير والدواء والشفاء ، وبهذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل المؤمن مثل النحلة ؛ لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيبا » .
    قال ابن الأثير :
    " ووجه المشابهة بينهما : حذق النحل وفطنته ، وقلة أذاه ، وحقارته ، ومنفعته ، وقنوعه ، وسعيه في الليل ، وتنزهه عن الأقذار ، وطيب أكله ، وأنه لا يأكل من كسب غيره ، ونحوله ، وطاعته لأميره " .
    إنه قطعة ذهب نقية ليس فيها شائبة واحدة ولا ذرة غريبة من غير الذهب ، فلا زيف ولا خبث ولا تلوُّن أو تغير بل ثبات وطهارة تماما ، وليس فيها أدنى خبث تنفيه النار ، مصداق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن :
    « ومثل المؤمن مثل سبيكة الذهب ؛ إن نُفِخت عليها احمرت ، وإن وُزِنت لم تنقص » .

    ‌ه- غزير الدمع :

    أخي المريض .. إن ساعدك الدمع وإلا فتباكَ ، فليس مثل الدموع علامة على القلب الحي ، وإنما يحصد الزرع يوم القيامة من روَّى أرض قلبه قبل الندامة ، فماذا أنت حاصد إذا حُرِمت الدموع؟!
    حي القلب يبكي شوقا وقلقا : قال عبد الواحد بن زيد :
    " يا إخوتاه! ألا تبكون شوقا إلى الله؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه ..
    يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها ..
    يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من العطش يوم القيامة؟ ألا إنه من بكى خوفا من ذلك سُقِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ..
    يا إخوتاه! ألا تبكون؟ بلى فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
    " ، ثم جعل يبكي حتى غُشِي عليه! .
    حي القلب قد يبكي من الأذان : كان أبو زكريا النهشلي إذا سمع النداء تغيَّر لونه وأرسل عينيه فبكى ، فسُئل عن ذلك فقال : أشبِّهه بالصريخ يوم العرض ، ثم غشي عليه .
    حي القلب قد يبكي من الوضوء. كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا ، فيُقال له في ذلك فيقول : " إني أريد أن أُقدِم على أمر عظيم .. أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل " .
    حي القلب تُبكيه الذنوب : نظر حذيفة المرعشي إلى رجل يبكي فقال : ما يبكيك يا فتى؟ قال : ذكرت ذنوبا سلفت فبكيت. قال : فبكى حذيفة ثم قال : نعم يا أخي! فلمثل الذنوب فليُبكَ ، ثم أخذ بيده فتنحيا فجعلا يبكيان!
    حي القلب يزعجه الختام فيبكي. قال محسن بن موسى : كنت عديل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له : يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب ؟ قال : فأخذ عودا من المحمل فرمي به فقال : " إن ذنوبي أهون علي من هذا ، ولكني أخاف أن أسلب التوحيد " .
    لكن من الناس أجدب العينين ، فلا يستطيع البكاء مع أن قلبه تعمره الخشية ، ومنهم في المقابل من هو رقيق الحس سريع الانفعال والدمع ؛ وإن لم يصاحب ذلك منه عمل صالح أو خشية دائمة ، وعندما نفاضل بين الاثنين نقول : بكاء القلب أولى وأعلى ، لأن بكاء العين شهادة على حيوية القلب لكن الشهادة قد تكون مزورة أحيانا إذا لم يصاحبها العمل ، أما بكاء القلب وخشيته فشهادة دامغة على حيوية القلب ، وهي شهادة لا تقبل التزوير على الإطلاق.

  8.    Spons.


  9. #6

    بكاء الحبيب
    قال ابن القيِّم :
    " وكان بكاؤه تارة رحمة للميت ، وتارة خوفا على أمّته وشفقه عليها ، وتارة من خشية الله ، وتارة عند سماع القرآن ، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية ، ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون » ، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض ، وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء ، وانتهى فيها إلى قوله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [ النساء : 41 ] ، وبكى لما مات عثمان بن مظعون ، وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف ، وجعل يبكي في صلاته وجعل ينفخ ويقول: « رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك » ، وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته ، وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل.
    والبكاء أنواع :
    أحدها : بكاء الرحمة والرقة.
    والثاني : بكاء الخوف والخشية،.
    والثالث : بكاء المحبة والشوق.
    والرابع : بكاء الفرح والسرور.
    والخامس : بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
    والسادس : بكاء الحزن .
    والسابع : بكاء الخور والضعف.
    والثامن : بكاء النفاق ، وهو : أن تدمع العين ، والقلب قاس ، فيظهر صاحبه الخشوع ، وهو من أقسى الناس قلبا.
    والتاسع : البكاء المستعار والمستأجر عليه كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال عمر بن الخطاب : تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها .
    والعاشر: بكاء الموافقة ، وهو: أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم فيبكي معهم ، ولا يدري لأي شيء يبكون ، ولكن يراهم يبكون فيبكي
    " .

    ‌و- همومه أخروية :

    فإن فات حي القلب ورده من قرآن أو صلاة وجد لفواته ألما أشد من فوات ماله ، وتقلَّب بالليل على فراش كالجمر ، فما عسانا نقول لمن ليس له ورد بالأساس؟! بل ماذا عسانا نقول لمن إذا فاتته الصلاة المفروضة لم يجد ألما ولا حسرة؟! وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخاطب بالحديث التالي إلا أحياء القلوب حين يقول : « الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله » .
    أي كأنما فقد أهله وماله وهلكوا ، فصاحب القلب الحي فحسب هو من يشعر بهذا وأما غيره فهيهات هيهات ، ولما كان حاتم الأصم رجلا كريما من أرباب القلوب الحية ، فقد أراد أن يبعث الحياة في قلوب من حوله ، فكان أن روى لنا تجربته قائلا وهو يحمل هَم فوات الخير :
    " فاتتني صلاة الجماعة مرة فعزاني أبو إسحق البخاري وحده ، ولو مات لي ولد لعزَّاني أكثر من عشرة آلاف ؛ لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا " .
    وآخر كان يحمل هَمّ الأمّة وهو أويس القرني الذي كان رغم فقره المدقع وبؤسه الشديد مستشعرا مسئوليته تجاه كل مسلم جائع أو عريان ، ويسأل الله أن يغفر ذنبه هذا!! فكيف بنا يا أصحاب النعيم والترف؟! قال عنه سفيان الثوري : " كان لأويس القرني رداء إذا جلس مسَّ الأرض ، وكان يقول : اللهم إني أعتذر إليك من كبد جائعة وجسد عار ، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني " .
    ومن القرن العشرين يطل علينا الإمام حسن البنا الذي حمل الهم حتى أطار النوم من عينيه ، وذلك لما انتشرت موجتا الإلحاد والإباحية في آن واحد على أرض مصر ، واسمع إليه يقول :
    " وصرتُ أرقب هذين المعسكرين فأجد معسكر الإباحية والتحلل في قوة وفتوة ، ومعسكر الإسلامية الفاضلة في تناقص وانكماش ، واشتد بي القلق حتى إني لأذكر أنني قضيت نحوا من نصف رمضان هذا العام في حالة أرق شديد لا يجد النوم إلى جفني سبيلا من شدة القلق والتفكير في هذه الحال ".
    ومثله في حمل هذا الهم كان الشيخ رشيد رضا الذي دخلت عليه أمه يوما فوجدته مهموما فقالت له : " مالك؟! هل مات مسلم بالصين؟!" .
    ورابع ممن يحمل حيوية القلب يحمل معها هَمّ الخاتمة ، فلا يدري أيختم له بخير أم يودِّع الدنيا بسوء؟! قال يحيى بن معاذ : " التائب يبكيه ذنبه ، والزاهد يبكيه غربته ، والصديق يبكيه خوف زوال الإيمان " .
    وخامس يحمل هم التقصير حتى أبكاه وهو يحيى بن معاذ كذلك الذي قال : " لست أبكي على نفسي إن ماتت ؛ إنما أبكي على حاجتي إن فاتت " .

    ‌ز- توحيد الخوف :

    حي القلب لا يخشى إلا الله ، فلا خوف من بشر ولو كان جائرا ، ولا من حدث ولو كان قاهرا ، ولا خوف على رزق أو أجل ، ولا خوف على ولد أو متاع ، بل وبسبب حياة قلبه ؛ كلما علا وعزَّ من أمامه كلما هوى وهان في عينيه ، وهكذا كان طاووس اليماني ، فعن الصلت بن راشد قال : كنت جالسا عند طاووس فسأله سلم بن قتيبة عن شي فانتهره قال : قلت هذا سلم بن قتيبة صاحب خراسان. قال : " ذلك أهون له علي " .
    ولا يخاف أحد من غير الله إلا لمرض في قلبه ، وقد حكى الله أن من صفات الذين في قلوبهم مرض أنهم قالوا : ﴿ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ [ المائدة : 52] ، وحكى أن أحياء القلوب الذين سلمت قلوبهم قالوا : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران : 173].
    وهؤلاء امتثلوا أمر ربهم الذي طمأن قلوبهم بقوله : ﴿ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة : 44] ، وقد ربط سبحانه الخوف منه وحده بالإيمان ، وجعل الخشية منه حكرا على أحياء القلوب ، فقال على سبيل التقرير والتوبيخ : ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ التوبة : 13] ، وقال آمرا وناهيا في آن واحد : ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنيْنَ ﴾ [ آل عمران : 175 ]
    وعدم الخوف إلا من الله دليل على حياة القلب وجسارته كما ذكروا أن رجلا شكا إلى الإمام أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال : " لو صححت لم تخف أحدا " .
    وذلك مع التسليم بأن الخوف الجبلي الذي لا يمنع من أداء الواجب لا يقدح في صحة القلب كخوف الإنسان من عدوه ومن المخاطر والأهوال ، أما الخشية الكاملة فلا تكون إلا من الله وحده.

    ‌ح- غيرة الأنبياء

    قال صلى الله عليه وسلم وهو يحكي قصة المعراج إلى السماء : « ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة ، فأتيت على موسى عليه السلام ، فسلمت عليه ، فقال : مرحبا بالأخ صالح والنبي الصالح ، فلما جاوزته بكى فنودي : ما يبكيك؟ قال : رب!! هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمّته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي ».
    قال العلماء :
    " لم يكن بكاء موسى حسدا معاذ الله ، فان الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؟! بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره ، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه ، ولهذا كان من اتبعه من أمّته في العدد دون من اتبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمّة ، وأما قوله « غلام » فليس على سبيل النقص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه ؛ إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه " .
    وانظروا مثلا إلى حياة قلبي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وهل أشد حياة من قلبي أقرب وأحب صحابيين إلى رسول الله؟! وتأمَّل أثر ذلك على تنافسهما في الخيرات ، وليس ذلك في ميدان العبادات فحسب بل تعدَّاها إلى العادات والذوقيات ، وعن ذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
    " إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرجنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بيني وبين أبي بكر ، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ، ثم قال : « من سرَّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد » ، فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود ، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشِّره ، فقال : سبقك بها أبو بكر!! " .
    وموقف آخر لا يقل غرابة في الحرص على الخير يرويه أبو صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعاهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل ، فيستسقي لها ، ويقوم بأمرها ، وكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ، فأصلح ما أرادت ، فجاءها غير مرة ، فلا يسبق إليها ، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الصديق الذي يأتيها وهو خليفة .
    لذا اعترف عمر رضي الله عنه بفضل أبي بكر وأقرَّ له قائلا : " ما سبقتُ أبا بكر قطُّ إلى خير إِلاَّ سبقني إليه ، ولودِدْتُ أنِّي شعرة في صدر أبي بكر


  10. #7

    القلب القاسي


    والقسوة هي الموت ، والقساوة عبارة عن غلظة مع صلابة ، وهي عبارة عن خلو القلب من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى ، وهي أشد عقوبات القلب على الإطلاق ، ولذا ضُرِبت بها قلوب الكافرين والمنافقين.
    قال مالك بن دينار : " إن لله عقوبات في القلوب والأبدان : ضنك في المعيشة ، ووهن في العبادة ، وما ضُرِب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب " ، وأكَّد على نفس المعنى حذيفة المرعشي فقال : " ما أُصيب أحد بمصيبة أعظم من قساوة قلبه " .
    وتأمل قول الله :
    ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [ البقرة : 74 ]
    إشارة الى ما ذكره الله من آية إحياء القتيل أو إلى جميع العظات والقوارع التي مرَّت ببني إسرائيل ، والتي تزول منها الجبال وتلين لها الصخور ؛ وكان الأجدر أن تلين لها قلوبهم ، أما وقد لم تفعل فقد استحقت أن توصف بالقسوة لنفورها من الإيمان بعد معاينة أسبابه وموجباته ، فهذه القلوب ﴿ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ، وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر مثل يضرب للقساوة لأنها محسوسة لديهم ، ومع ذلك فقد عذر الله الحجارة لكنه لم يعذر القاسية قلوبهم فقال : ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾.
    وتأمل قول الله المُعجِز يصف صاحب القلب القاسي : ﴿ وَأَحاْطَتْ بِهِ خَطيْئَتُهُ ﴾ أي استولت عليه ، وشملت جميع أحواله حتى صار محاطا بها لا ينفذ إليه من حوله شيء ، وذلك أن من أذنب ذنبا ولم يُقلع عنه جرَّه ذلك إلى العودة لمثله ، والانهماك فيه ، وارتكاب ما هو أكبر منه ؛ حتى تستولي عليه الذنوب ، وتأخذ بمجامع قلبه ، فيتحول طبعه مائلا إلى المعاصي ، مستحسنا إياها ، معتقدا أن لا لذة سواها ، مُبغِضا لمن يحول بينه وبينها ، مُكذِّبا لمن ينصحه بالبعد عنها ، كما قال الله تعالى : ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [ الروم : 10 ].
    فتصبح ذنوبه كالخيمة تحجب عنه كل شيء : نظر الله إليه ، ونعيم الجنة المنتظر ، وعذاب النار المترقِّب ، وكيد إبليس المتحفِّز ، وحسرة الملائكة المشفقة ، كل ذلك يغيب عنه عند وقوعه في الذنب ولا يراه ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :
    « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن » .

    القساوة الموسمية
    قاسي القلب يموت أقرب الناس إليه ولا يتأثر ، وحي القلب يموت أبعد الناس عنه ويخشع لموته ، بل قد يقسو القلب في وقت ويلين في آخر ، فحي القلب نفسه تمر به حالات قساوة ، فيسمع الآية من كتاب الله فيبكي ، ويسمع قوارع الآيات في يوم آخر ولا يتأثر ، لأنه سمع الأولى حال سلامة قلبه والثانية حال قساوته ، وقد تأتيه الموعظة فتسري في جسده كتيار الكهرباء في يوم ، وتنزل عليه في اليوم الذي يليه كما تنزل على عمود الرخام!! والسبب قلبه ، وقد تجود يداه بالصدقة حينا وتمسك أنامله عليها أحايين كثيرة وكأنها صخرة ، والسبب أيضا قلبه. ولا تستثني القسوة أحدا حتى أنها لتضرب قلوب الذين يحملون مفاتيح القلوب ، ويعلمون سر حيوية الأرواح ، وهم قراء القرآن ، لذا بعث أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى قراء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن ، فقال : " أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد ، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم " .

    قسوة من تسعة

    قسوة القلب نابعة من تسعة أشياء ، وهي كما يلي :

    1. كثرة الأكل :

    روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال :
    أكلت ثريدا بلحم سمين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشأ ، فقال : « كفَّ عنا جشاءك ، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة » ، فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا ، وكان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى.
    لكن ما العلاقة بين التجشؤ والجوع يوم القيامة والتي قد تبدو بعيدة من أول وهلة؟
    قال المناوي موضِّحا خطورة الإسراف في الطعام الذي استهان به الكثيرون ، يحسبونه هينا وهو عند أطباء القلوب عظيم :
    " والنهي عن الجشاء نهي عن سببه وهو الشبع ، وهو مذموم طبا وشرعا ، كيف وهو يقرب الشيطان ويهيِّج النفس إلى الطغيان ، والجوع يضيق مجاري الشيطان ، ويكسر سطوة النفس ، فيندفع شرهما ، ومن الشبع تنشأ شدة الشبق إلى المنكوحات ، ثم يتبعها شدة الرغبة إلى الجاه والمال اللذان هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات ، ثم يتبع ذلك استكثار المال والجاه وأنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ، ثم يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ، ثم يتداعى ذلك إلى الحسد والحقد والعداوة والبغضاء ، ثم يُفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء والبطر والأشر ، وذلك مُفضٍ إلى الجوع في القيامة وعدم السلامة إلا من رحم ربك " .
    ولذا كانت سنّة وطريقة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي سار عليها طوال حياته أن يقلل من طعامه عن طريق وسيلة تفيض ثوابا وتقذف أجرا ، فقد كان لا يأكل حتى يؤتى بمسكين فيأكل معه ، فأُدخِل عليه يوما رجل فأكل أكلا كثيرا ، فقال ابن عمر لغلامه : يا نافع لا تُدخل علي هذا ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « المؤمن يأكل في معيِّ واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » .
    وهنا يبادرنا سؤال : كم من كافر أقل أكلا من مؤمن ، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله!!
    قال ابن حجر :
    " قيل : المراد حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر ، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر ، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ﴾ [ محمد : 12 ].
    وقال الطيبي : ومحصل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة بخلاف الكافر ، فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يقدح في الحديث ، ومن هذا قوله تعالى ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ [ النور : 3 ] ، وقد يوجد من الزاني نكاح الحرة ومن الزانية نكاح الحر.
    وقيل أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الإيمان ؛ لأن من حسن إسلامه وكمل ايمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده ، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته
    " .
    وإن كثرة الطعام ما هي إلا علامة على قسوة القلب وطريق مُمَهَّد موصل إلى موته ، لذا غفل قساة القلوب عن سبب رئيسي لإفراطهم في الطعام وبالتالي جهلوا سبب القساوة ، وهو ما أشار إليه ابن القيِّم في الفوائد :
    " لو تغذَّى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات.
    ولو كنت عذري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الهوى كثرةَ الأكل
    " .
    وإن كثرة الطعام كذلك تُدخل القلب في متاهة الآفات الستة التي أشار إليها أبو سليمان الدارانى بقوله : " من شبع دخل عليه ست آفات : فقد حلاوة المناجاة ، وحرمان الشفقة على الخلق ؛ لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع ، وثقل العبادة ، وزيادة الشهوات ، وإن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد ، والشباع يدورون حول المزابل " .
    بل أوصى الحسن البصري كل من ضاع خشوعه والتمس دموع الخشية فلم يجدها ؛ أوصاه بهذه الوصية العملية المُجرَّبة واقعيا فقال : " من أراد أن يخشع قلبه ويغزر دمعه فليأكل في نصف بطنه " .
    فضلا عن أن كثرة الطعام تضيِّع على المرء فرص الثواب الجزيل لأنها تصرف الطعام في غير وجهه الصحيح ، ولو صرِفت صدقة وبذلا بدلا من أكلها لكان خيرا لصاحبها في الدنيا والآخرة ، وقد رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا عظيم البطن فأشار إلى بطنه بأصبعه فقال : « لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك » .
    لكن .. هل مقصود كلامي أن يجوِّع الإنسان نفسه ويُحرِّم على نفسه ما أحل الله له؟! حاشا وكلا ؛ بل كل ما أريد قوله جاء موجزا على لسان الحليمي رحمه الله الذي بيَّن مغزى الكلام :
    " وكل طعام حلال فلا ينبغي لأحد أن يأكل منه ما يثقل بدنه ، فيحوجه إلى النوم ، ويمنعه من العبادة ، وليأكل بقدر ما يسكن جوعه ، وليكن غرضه من الأكل أن يشتغل بالعبادة ويقوي عليها " .
    فالمطلوب منك على الفور إذن ثلاثة أمور :
    أولا : نية صالحة لكل لقمة تؤكل ، حتى يتحوَّل الطعام إلى عبادة ، ويُغذِّي روحك مع جسدك.
    الثاني : قلة الأكل ، وهي ما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ، وعلامة ذلك أن تفارق المائدة وأنت لا تزال جائعا ، وهو معنى قوله : « وإذا أكلنا لا نشبع ».
    ثالثا : الصيام الدائم انتصارا لروحك على شهوة الأكل.

    2. كثرة النوم :

    النوم كالملح لا بد من قليل منه في الطعام ، لكن زيادته مضرة وتجعل طعم الحياة غير مستساغ ، فلكثرة النوم أضرار كثيرة ، وما قسوة القلب إلا أحد نتائجها ، وقد سبق وأن أحصى أبو حامد الغزالي عواقب كثرة النوم فقال :
    " وفي كثرة النوم : ضياع العمر ، وفوت التهجد ، وبلادة الطبع ، وقساوة القلب ، والعمر أنفس الجواهر ، وهو رأس مال العبد فيه يتجر ، والنوم موت ، فتكثيره يُنقص العمر ، ثم فضيلة التهجد لا تخفى ، وفي النوم فواتها " .
    وكيف يكثر النوم في هذه الدنيا من ينتظر أطول رقدة له في القبر؟! وكيف يُسرِف أحد في النوم وهو أخو الموت من الرضاع؟! يا من قساوة قلبه أشد من الحجر ..
    يا طويل الرقاد والغفلات ... كثرة النوم تورث الحسرات
    إنَّ في القبر إن نزلت إليه ... لرقادا يطول بعد الممات
    ومِهادا مُمَهَّدا لك فيه ... بذنوب عملت أو حسنات
    أأمنت الهجوم من ملك المو ... ت وكم نال آمنا ببيات

    لكن لماذا يصحو قاسي القلب إذا كان يتقلب طوال يومه في طبقات من النوم المتواصل ، من نوم في اليقظة إلى نوم في المنام ، إنها قسوة القلب تجعل صاحبها غير آبه بقيمة الوقت ولا مكترث به ، فلا يوجد ما يفعله كي يستيقظ ، لذا يغط في نوم عميق.

    أسباب قلة المنام

    قال صلى الله عليه وسلم :
    « ما رأيت مثل النار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها » .
    أي أن النوم وشدة الغفلة والاسترسال في الكسل ليست طرق الهارب من جهنم والطالب للجنة ، بل إن طريقه يمر باليقظة ووثبات الهروب من جحيم المعاصي إلى جنة الطاعات ، وفي الحديث معنى التعجب والاستنكار على من أكثر نومه وسدر في غفلته عما أُعِدَّ له.
    ومما يعين على قلة النوم : همُّ الخوف من النار ، فقد كان طاووس يفترش فراشه ثم يضطجع عليه فيتقلب كما تقلى الحبة على المقلى ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول : طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين ، وكان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلاة فيقول : اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام ، ثم يقوم إلى مُصَلاه ، ولما قالت ابنة الربيع بن خيثم : يا أبت ما لك لا تنام والناس ينامون؟ فقال : إن النار لا تدع أباك ينام!! وكان صفوان بن محرز إذا جنَّه الليل يخور كما يخور الثور ويقول : منع خوف النار مني الرقاد ، وكان سفيان الثوري لا ينام إلا أول الليل ، ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي : النار النار .. شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ، ثم يتوضأ ويقول عقب وضوئه : اللهم إنك عالم بحاجتي ، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار ، وهؤلاء عبَّر عن حالهم شعرا عبد الله بن المبارك فقال :
    إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
    أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع

    ومما يعين على قلة النوم : معرفة قيمة الوقت ، فوالله يا أخي .. لو أن ساعة من النوم حذفتها من ساعات نومك كل يوم لأضافت إليك عمرا آخر لو كنت تعلم ، لتجد الفارق مبهجا يوم القيامة.
    ومما يعين على قلة النوم : قلة الأكل ، فمن أكل كثيرا نام كثيرا فخسر كثيرا.
    ومما يعين على قلة النوم : التعامل مع الساعة البيولوجية بحكمة ، فإن وظائف الجسم في الإنسان تستطيع أن تتكيف مع أي عدد من ساعات نومه ، ولن يشبع أحد من كثرة النوم ، لكن العاقل هو من أعطى جسمه راحته دون إفراط أو تفريط.
    ومما يعين على قلة النوم : النوم على الشق الأيمن ، " وقد قيل : إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النائم في نومه لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار ، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلب مستقره من الجانب الأيسر ، وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على اليسار ، فإنه مستقره ، فيحصل بذلك الدعة التامة ، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل ، فيفوته مصالح دينه ودنياه " .
    ومما يعين على قلة النوم : حمل هم وأعلاه هَمُّ الدعوة إلى الله ، ورحمة الله على دعاة الإسلام في زماننا يحيون ما اندثر من سيرة السلف ويحيون قلوبنا عندما نسمع عن عزمهم ، فقد حدَّثني والد زوجتي أنه صاحب فضيلة الداعية الشيخ عبد المتعال الجبري في رحلة دعوية دائبة ، لتتواصل حركته من بعد صلاة الفجر انتقالا من محاضرة إلى درس إلى سعي في قضاء حوائج حتى انتصف عليهما الليل ، ووصلا البيت في تمام الساعة الثانية فجرا ، ليجدا عند رجوعهما من ينتظرهما ليستشير الشيخ في أمر!! فاعتذر الأخ المضيف قائلا أن الشيخ متعب من سعيه طيلة اليوم ولن يستطيع مقابلة أحد ، وهنا قال الشيخ : ومن قال لك أني متعب؟ يا أخي .. أنا يكفيني كل يوم من النوم ساعتان ، مجتمعتان أو متفرَّقتان!! فجلس مع الرجل وأشار عليه في مسألته!!

    أمّة وسطا
    لكن الدعوة إلى التقليل من النوم لا بد أن تكون معتدلة لا تغمط النفس حقها وضرورات حياتها ، فتضر من حيث تريد أن تنفع ، ولا تبلِّغ المقصود بل ضد المقصود. قال ابن القيم وهو يقود قافلتنا بحكمة في طريق الاعتدال :
    " وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات ؛ فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ، ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها ، وما قام الوجود إلا بالعدل ، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير " .

    أنفع النوم وأضره
    فإن تابعت وسألت ابن القيم : وما أنفع النوم وما أضره؟! وما المستحب منه وما المكروه؟! فعلى الخبير سقطت ، حيث أجابك رحمه الله قائلا :
    " وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه ، وكلما قرب النوم من الطرفين قلَّ نفعه وكثر ضرره ، ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ، ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، فإنه وقت غنيمة ، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس ، فإنه أول النهار ومفتاحه ، ووقت نزول الأرزاق ، وحصول القسم ، وحلول البركة ، ومنه ينشأ النهار ، فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير ، وهو مقدار ثمان ساعات ، وهذا أعدل النوم عند الأطباء ، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ، ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء ، وكان رسول الله يكرهه ، فهو مكروه شرعا وطبعا " .

    مراعاة الفوارق
    ومن الخطأ الفاحش : معاملة الناس معاملة واحدة وعدم مراعاة اختلاف حال الأشخاص والقدرات ؛ فمن الناس من تقل عدد ساعات نومه بطبيعته ، ولا بد كذلك من مراعاة اختلاف البيئات ؛ فالبلاد الحارة غير البلاد الباردة ، والبلاد المزدحمة غير البلاد الهادئة ، ومراعاة اختلاف الأعمار كذلك ؛ فما يحتاجه الشاب غير ما يحتاجه الشيخ ، ومراعاة اختلاف الأعمال فأصحاب الأشغال الشاقة غير أصحاب الأعمال السهلة ؛ والأعمال البدنية غير الأعمال الذهنية ، ولا بد كذلك من فهم قضية البركة في الأوقات لدى الصالحين وإعطائها حقها ، ومن الخطأ عدم مغالبة النعاس الخفيف إن وُجِد والاستجابة لدواعيه ، ولو صمد صاحبه قليلا لانقشع عنه وزال وربح هو وقته ، وأخيرا فمن الخطأ الشائع الإكثار من جوالب النعاس ككثرة الطعام والتمدد الطويل في غير وقت النوم .

    وأخيرا : عبادة النوم
    واسمع كيف حوَّل صلى الله عليه وسلم نومه إلى عبادة ، وكيف علَّمنا ذلك من بعده لنتعبَّد الله تعالى حتى أثناء نومنا؟! فقد روت عنه عائشة رضي الله عنها أنه ( كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر ) ، وفي حديث آخر للعرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان لا ينام حتى يقرأ المُسبِّحات ، ويقول : فيها آية خير من ألف آية ) ، والمُسبِّحات هي السور التي افتتحت بقوله تعالى : ﴿ سَبَّحَ ﴾ أو ﴿ يُسبِّحُ ﴾ ، وهن سور : الإسراء ، والحديد ، والحشر ، والصف ، والجمعة ، والتغابن ، والأعلى.
    إن شأن أي مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ هذه السور حتى يغلبه النعاس ، وكأن المراد أن تنام وأنت تقرأ القرآن ، وأن يكون هذا هو آخر ما ينطق به لسانك في يومك ، وقد بيَّن ابن القيم فضل هذا النوع من الذكر قبل النوم ، ورغِّبك فيه ، ووضَّح لك الحكمة منه ، وحسن العاقبة والجزاء عليه ، وكل هذا ليغريك فتواظب ، فقال :
    " وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو يذكر الله ، فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربه من الله " .
    ومكافأة أخرى عظيمة عظيمة لمن نام وهو يذكر ربه نقلها لنا أبو أمامة رضي الله عنه فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من أوى إلى فراشه طاهرا وذكر الله تعالى حتى يُدركه النعاس ، لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه »


  11. #8
    3
    كثرة الكلام .

    [align=right]قال عطاء بن أبي رباح : " إن من قبلكم كانوا يعدّون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها ، أتذكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفة التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته " .
    إن من القلوب القاسية من لا يصلح معه إلا مثل هذه اللهجة القاسية ، وإن كثرة الكلام بالباطل لا تعالج إلا بقوة كلام الحق ، لكن عبد الله بن المبارك كان أخف لهجة حين خاطب من كان قلبه بين القساوة والحياة قائلا :
    وإذا ما هممت بالنطق في الباطل فاجعل مكانه تسبيحا
    فاغتنام السكوت أفضل من خوض وإن كنت في الحديث فصيحا

    إن كثرة الكلام هي علامة واضحة على قسوة القلب لكن كثرة الكلام كذلك من أسهل الطرق الموصلة إليه ، لذا قال بشر بن الحارث : " خصلتان تقسيان القلب : كثرة الكلام وكثرة الأكل " ، وأخطر من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :
    « وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدِّقون » .
    و « الثرثارون » أي الذين يُكثرون الكلام تكلفا وتشدقا ، و « المتفيهقون » هم مدَّعو الفقه الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم تفاصحا وتفاخرا ؛ وهو مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع ، لأنه يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهارا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره ؛ ليميل بقلوب الناس وأسماعهم إليه ، أما « المتشدِّقون » فهم الذين يتكلمون بأشداقهم ويتقعرون في مخاطبتهم من غير احتياط واحتراز ، لكن يبادرنا هنا سؤال :
    ما الدافع إلى كثرة الكلام؟!
    قال المناوي :
    " كثرة الكلام تتولد عن أمرين : إما طلب رئاسة يريد أن يرى الناس علمه وفصاحته ، وإما قلة العلم بما يجب عليه في الكلام " .
    فكثرة الكلام نابعة من قسوة القلب ، فإن القلب القاسي إما أن يمتلأ بحب الرئاسة أو يمتلأ غفلة وعدم إدراك عواقب الكلام ، وكلٌ منهما دافع إلى كثرة الكلام ، أما حب الرئاسة فيدفع صاحبه إلى التباهي بما فيه وما ليس فيه ، فيمتلئ فخرا وينطق زهوا ، وأما قلة العلم فتجعل صاحبها ينسى أنه محاسب على فلتات لسانه ومنتجات فمه ، فيكثر كلامه وإن كان فيه الهلاك ، وصدقك نصر بن أحمد النصيحة حين أنشدك محذِّرا :
    لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكل امرىء ما بين فكيه مقتل
    وكم فاتحٌ أبوابِ شرٍّ لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل
    إذا ما لسان المرء أكثر هذره فذاك لسان بالبلاء مُوَكَّل
    إذا شئت أن تحيا سعيدا مُسلَّما ... فدبِّر وميِّز ما تقول وتفعل

    وإن كثرة الكلام مُهلكة مُهلكة حتى وإن كان الكلام مباحا ، لأنها ستجر حتما إلى الكلام الحرام ، والشيطان يستدرجك لينقلك من المنطقة المباحة إلى الدائرة المحرَّمة ، وكثرة السير في الأرض الموحلة لا بد أن تؤدي بصاحبها إلى الانزلاق في الوحل. قال عمر رضي الله عنه : " من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه ، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه ، ومن قلَّ ورعه مات قلبه " .
    وحسب كثير كلامه أنه بمثابة منتظر الفتنة وموشك على الخطأ ، ويكفي قليل الكلام أنه ينتظر الرحمة ويدنو بإنصاته من الهداية والصواب.

    ولأن العاقل يعلم أنه محاسب عن كل كلمة ، لذا يتفكَّر في كلامه أولا ، فإن كان لله أمضاه ، وإن كان لغيره حبسه ، لذا قلَّ كلامه ، وسكت عن كثير الكلام ، أما قاسي القلب فلا يعمل حسابا لقول أو كلام لذا ينطق بكل سوء ، ويزيد في منطقه دون خشية أو مراقبة ، إن القلب الحي مصفاة لكل قول سيء ، والقلب القاسي باب مفتوح لكلمات السوء. فعن الحسن البصري قال :
    " كانوا يقولون إن لسان المؤمن وراء قلبه ، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه ، وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه " .
    وليست كثرة كلام المرء من العقل في شيء ، لذا كان من أحكم ما قيل : إذا تمَّ العقل نقص الكلام ، وقد قال المهلب بن أبي صفرة الأزدي : " يعجبني أن أرى عقل الرجل الكريم زائدا على لسانه " ، وهل أوفر عقلا وأكثر نبوغا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لذا كان من صفات كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُحدِّث حديثا لو عده العاد لأحصاه ، وهذا إشارة إلى قلة كلامه ، وفي هذا كذلك : الوقار والمهابة التي يلبس تاجها أحياء القلوب.
    تاج الوقار وحسن سمت المسلم .. صمت المليء وحكمة المتـكلِّم
    وقد جعل أبو الدرداء رضي الله عنه قلة الكلام من علامات الفقه ؛ ما هو بغزارة العلم ولا كثرة الرواية ، فقال رحمه الله : " من فقه الرجل قلة كلامه فيما لا يعنيه " .
    أقلل كلامك واستعذ من شرِّه ... إنَّ البلاء ببعضه مقرون
    واحفظ لسانك واحتفظ من عِيِّه ... حتى يكون كأنه مسجون
    وكِّل فؤادك باللسان وقُْلْ له ... إنَّ الكلام عليكما موزون


    وفي نهاية كلامنا عن كثرة الكلام يبادرنا سؤال : هل لا بد لأحياء القلوب أن يكونوا قليلي الكلام؟!
    والجواب : كلا ، وليس إذا كان الكلام صحيحا وفي الخير؟! ولذا لما عيب إياس بن معاوية بكثرة الكلام قال : وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ؟ قالوا : بصواب. قال : " فالإكثار من الصواب أمثل " .

    4. كثرة المخالطة :

    والمقصود بها : مخالطة المرضى والاحتكاك بأموات القلوب ومعايشة قساة المشاعر الإيمانية والمبيت وسط من يذكِّرونك بالدنيا وليس لهم من الآخرة نصيب ، وهؤلاء يجرونك نحو النار جرا ويوصدون في وجهك أبواب الجنة ، وفيهم يقول ابن القيّم رحمه الله :
    " وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ، ودفعت من نعمة ، وأنزلت من محنة ، وعطَّلت من منحة ، وأحلت من رزية ، وأوقعت في بلية ، وهل آفة الناس إلا الناس ، وهل كان علي أبي طالب رضي الله عنه عند الوفاة أضرَّ من قرناء السوء ؛ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد " .
    وغني عن القول أن الصاحب جسر إلى الرحمة أو اللعنة ، والصديق سائق إلى الجنة أو النار ، لذا قصَّ الله تعالى علينا في القرآن قصة يوم الندم فقال : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ [ الفرقان : 27-28 ].
    والقصة أن عقبة كان قد همَّ بالإسلام فمنعه منه أمية بن خلف وكانا صديقين ، وكان عقبة قد صنع وليمة فدعا إليها قريشا ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأتيه إلا أن يُسلم ، وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه أحد من أشراف قريش فأسلم ونطق بالشهادتين ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل من طعامه ، فعاتبه خليله أمية بن خلف وكان غائبا ، فقال عقبة : رأيت عظيما ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش ، فقال له خليله : لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت ، ففعل عدو الله ما أمره به خليله ؛ فأنزل الله عز وجل : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ [ الفرقان : 27 ].
    والظالم هنا هو عقبة بن أبي معيط وخليله هو أمية بن خلف ، ولم يُسمِّيا في الآية لأنه أبلغ في الفائدة ، ليُعلم أن هذا سبيل كل ظالم أطاع صاحبه في معصية الله.
    قال مجاهد : " الظالم عام في كل ظالم " .
    إشارة إلى كل ظالم اتخذ خليلا له يصده عن الذكر بعد إذ جاءه على يد نبيه ، ويصرفه عن ما فيه نجاته ، ليرتدع التابع ويرتجف رعبا هو يرى نفسه يُقرن بمن بصق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وداس على عنقه وقُتل على يديه.
    ومن يكن الغراب له دليلا .. يمرُّ به على جيف الكلاب
    إن تأملا في من يُحشر معهم المرء يكفي للتخلص من أثر هذا السم في الحال ﴿ الأَخِلَّاْءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقيْنَ ﴾ [ الزخرف : 67 ] ، ولكن قساة القلوب من الظالمين أعاجم لا يفهمون لغة القرآن ، وهو سُم ليس لك تتهاون في تناول جرعة واحدة منه وإلا كان العطب ( لا تصاحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ).
    وإن أي طالب للشفاء اليوم وباحث عن العافية سيفشل حتما ويظل متخبِّطا في الضلال والظلمة ، وكلما قام سقط ، وكلما تقدَّم تعثَّر ؛ ما لم يتخذ القرار المصيري الحاسم بهجر الرفقة المهلكة والتي تشده إلى الوراء وتهوي بإيمانه إلى الأسفل ، ولن تُجدي أبدا جرعة دواء ما دام يتبعها جرعة سم ، ولن تحصل عافية يوما ما دمت تُصبح وتُمسي بين أعداء العافية .. ألا فانتبه!!

    أخي ..
    كاذبٌ ثم كاذبٌ من ادعى قدرته على معايشة البيئة الفاسدة دون التأثر بغبارها ، لأن قلبه قلب بشر لا قلب مَلَك ، وسيتأثر حتما بالبيئة المحيطة سلبا أو إيجابا ، وإلا لماذا أمر الله رسوله المؤيد بالوحي والذي رأى الجنة والنار رأي العين بصيانة سمعه وبصره ومفارقة مجالس السوء؟ بل وحذَّره من أن يفتن بهم قائلا : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [ الأنعام : 68 ] ، فإذا كان هذا التحذير للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أطهر القلوب وأنقاها وأشرفها وأزكاها ؛ بل وأبعدها عن التأثر بما يتأثر به غيره ، فكيف بغيره؟! بل لما ذهب إلى عرس من أعراس الجاهلية ألقى الله على عينيه بالنعاس صيانة له وحفظا.

    سببا المرض
    إن سبب الإقبال على صحبة السوء هو التشابه أو الغفلة ، فأما التشابه فقد كان مالك بن دينار يقول : " لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفي أحدهما وصفٌ من الآخر ، وإن أجناس الناس كأجناس الطير ، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة. قال : فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك ، فقال : اتفقا وليسا من شكل واحد ، ثم طارا فإذا هما أعرجان ، فقال : من ها هنا اتفقا " .
    ولذلك قال بعض الحكماء : كل إنسان يأنس إلى شكله ؛ كما أن كل طير يطير مع جنسه ، وإذا اصطحب اثنان برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يتفرقا ، وهذا معنى خفي فطن له الشعراء حتى قال قائلهم :
    وقائل كيف تفارقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف
    لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وألاف

    وأما الغفلة فالمقصود بها : عدم الانتباه إلى سهولة انتشار العدوى وعموم البلوى بالمخالطة ، والإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصديقه وجليسه ، ويكتسب أخلاق قرينه وخليله ؛ لأن رفقة السوء أعدى من الجرب ، ولربما يعدي السليمَ الأجربُ ، وقد قال ابو قدامة في كلام مختصر حواه كتابه مختصر منهاج القاصدين ، وهو يرصد فيه ما خفي عن غيره من الأطباء والمرضى من عواقب رفقة السوء :
    " مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة ، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلا عن الغافلين ، وذلك أنه قلّ أن يجالس الإنسان فاسقا مدة ، مع كونه منكرا عليه في باطنه ، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقا في النفور عن الفساد ، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هيِّنا على الطبع ، ويسقط وقعه واستعظامه ، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره ، احتقر الصغائر من نفسه " .‏
    ومن آثار صحبة السوء : الرضا عن النفس ، وما حال مريض يقارن نفسه بالأموات؟! أو يفرح أن وجد نفسه أعور بين قطيع من العُمي؟! أو يظن بنفسه الخير أن كان يهوي إلى أسفل وغيره أسفل منه ؛ كلاهما يهوي لكنه مطمئن أن أخاه أقرب منه إلى الهاوية!! وهو معنى قول ابن عطاء : ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان صحبة من هو أسوأ حالا منك.
    ومن آثارها : حالة الموت السريري أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن مخالطة الفاسدين تُضعِف قوة الإنكار في القلب ، ومع مرور الوقت تنعكس المشاعر ، وتتحول كراهة المنكر إلى حب له واستئناس به ، وحتى إن لم تنطمس الفطرة وتصل إلى هذا المنحدر يكون السكوت عن الإنكار حتى لا يخسر الصديق صديقه أو حتى يؤذي مشاعره!!
    وجَّه علي باشا ماهر الدعوة للإمام الشهيد حسن البنا لحضور حفل زفاف ابنه بالإسكندرية ، فذهب الأستاذ المرشد إلى الإسكندرية ونزل عند الإخوان ، وكلف الأستاذ أحد الإخوة الذين رافقوه بالذهاب إلى الحفل ، وقال له : إذا لم تجد أي مخالفة شرعية فاتصل بي تليفونيا حتى أحضر ، وإذا وجدت ما يسبب أي حرج فقم أنت بالواجب ، وانتظر الأستاذ فترة ، ولم يتصل الأخ ، فقال الأستاذ للإخوان : ألا توجد مناسبة عند أحد الإخوة؟ قالوا : بلى ، عند فلان عقد زواج ، فذهبوا جميعا ، وكانت مفاجأة سارة ، وعمت الفرحة والبهجة .
    ومن آثارها نفور الصالحين منك بعد أن أدنيت أهل السوء ، وهي وصية الواعظ أبي حازم لما دخل على أمير المدينة ، فقال له : تكلم. قال له : " انظر الناس ببابك ، إن أدنيت أهل الخير ذهب أهل الشَّر ، وإن أدنيتَ أهل الشَّر ذهب أهل الخير " .
    فإذا وجدت الصالحين يهربون منك ولم تجد حولك غير قساة القلوب ، فاعلم أنك أنت السبب ، فلا يدخل الضوء مكانا حتى يطرد الظلام ، ولا يملؤ العسل وعاءً مُلئ بالعلقم.
    ولهذا حذّر عالم المدينة وسيد التابعين في زمانه سعيد بن المسيب [ ت : 94 ] من مجرَّد النظر إلى الفئة الضالة فضلا عن مخالطتهم ؛ فقال متخذا أقصى درجات الحيطة ومتجنبا أولى خطوات الانهيار والسقوط :
    " لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة ؛ بل هؤلاء لا سلامة في مخالطتهم ، وإنما السلامة في الانقطاع عنهم " .

    5. نقض عهد الله :

    قال تعالى : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ [ المائدة : 13 ]
    فجعل الله نقض العهد معه سببا رئيسا لقسوة القلب ، ويشهد لهذا قوله تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [ التوبة : 75-77 ]
    فتأمل هذه القصة وهي أن هؤلاء القوم عاهدوا الله إن آتاهم من فضله أن يتصدقوا مما آتاهم ، ولكن لما آتاهم الله من فضله نكصوا على أعقابهم ، وغدروا في ما عاهدوا ، فكانت العقوبة أن أعقبهم الله تعالى نفاقا دائما في قلوبهم يبقى معهم حتى الممات ، وهذا وعيد مخيف يرتعد منه المرء إن هو خالف ما سبق وأن عاهد ربه عليه : أن يصل إلى ما انحدر إليه هؤلاء المنافقون ، فإن قانون التماثل لا يتخلَّف ولا يتبدَّل ، فإن فعلنا مثل ما فعل أسلافنا من الأمم والأقوام السابقة وصلنا إلى ما وصلوا إليه خيرا كان أو شرا ، وما ربك بظلام للعبيد.
    إن منا من إذا نزلت به بلية أو مرض أو احتاج ربه في حل مشكلة ألمَّت به ؛ أناب وخضع وتاب وخشع ، وعاهد الله لئن كشف الله عنه ما هو فيه ليفعلن وليكونن ، ثم لا يكون بعدها إلا التولي يوم الزحف ، وإخلاف الوعد مع البشر من نواقض المروءة ؛ فكيف بنقض العهد مع الله؟! لذا يشتد غضب الله على هذا المستهين بربه ، فيضرب على قلبه القسوة والنفاق.
    أعرف رجلا كان أبعد ما يكون عن الله ، لكنه ابتُلي بمرض عضال ، فصار المسجد بيته ، والقرآن نطقه ، وأقبل على الصلاة بعد أن هجرها دهرا ، وأشرقت عيناه بدمع الندم بعد أن ولى زمان الجدب ؛ حتى شفاه الله وأخذ بيديه إلى العافية ، فرجع إلى سابق عهده ناكثا مدبرا ، دون أن يدرك قبح فعلته وهول غدرته ، فماذا كانت النتيجة؟! تيه في دروب الحياة وقسوة أشد وبعدا أكثر عن ساحل النجاة ، حتى يتوفاه الموت أو يجعل الله له سبيلا.

    6. تعليم العلم دون استعماله :

    قال ذو النون وقد سئل : ما أساس قسوة القلب للمريد؟! فقال : " ببحثه عن علوم رضي نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها " .
    والسبب في هذه العقوبة أنه رغَّب الناس في بضاعة زهد هو فيها ، وأرشد الناس إلى دواء لم يستعمله ، وحمل بين يديه الهناء فاختار الشقاء ؛ ومن العجائب أعمش كحَّال ، ولذا كانت عقوبته إماتة قلبه وحرمانه من الحياة.
    إن كثرة الوعظ قد تذهب بتأثيره في قلب الواعظ لاعتياده إياه وتكراره له مرات كثيرة وفي محافل شتى ، والأمر يحتاج إلى نوبة إفاقة متكرِّرة وعلى الدوام ، وإلى إتقان مهارة التأثير في النفس إضافة إلى مهارة التأثير في الغير ، وإلا كان حظ الإنسان من وعظه : لسانه ، ونصيبه من موعظته : دموع غيره ، ودوره مع كلامه : هداية المستمعين إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل العالم الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه ؛ كمثل السراج يضيء للناس ويُحرِق نفسه » .
    كان السري السقطي يُعجب مما يرى من علم الجنيد وحسن خطابه وسرعة جوابه ، فقال له يوما وقد سأله عن مسألة فأجاب وأصاب : أخشى أن يكون من الدنيا لسانك ، فكان الجنيد لا يزال يبكي من تلك الكلمة .
    وتأمَّلوا رقة قلب وحياة روح سيد الوعاظ الواعظ الكوفي ابن السماك [ ت : 183 ] فقد ذكر النار في بعض مجالسه ، فبكى وأبكى ووعظ وذكر وجرى مجلس حسن جميل ، فلما كان في المجلس الثاني دُفِعت إليه رقعة كان فيها :
    يا أيها الرجل المعلم غيره .. هلا لنفسك كان ذا التعليم
    تصف الدواء من السقام لذي الضنا كيما يصح به وأنتم سقيم
    وأراك تُلقِّح بالرشاد عقولنا نصحا وأنت من الرشاد عديم

    فمرض من ذلك مرضا شديدا ، وتُوفِّي منه رحمه الله!! .
    ومثلما كان في الكوفة أحياء قلوب كان لهم إخوان في أقصى المغرب في أرض الأندلس يخافون من نفس المصير ويتهمون النفس بالتقصير ، ومنهم المنذر بن سعيد القاضي الأندلسي الذي خطب يوما وأراد التواضع ؛ فكان من فصول خطبته أن قال :
    " حتى متى؟ وإلى متى؟ فكم الذي أعظ ولا أتعظ ؛ وأزجر ولا أزدجر ، أدل الطريق على المستدلين ، وأبقى مقيما مع الحائرين! كلا إن هذا لهو الضلال المبين! ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ﴾ [ الأعراف : 155 ] اللهم فرِّغني لما خلقتني له! ولا تشغلني بما تكفَّلت لي به! ولا تحرمني وأنا أسألك! ولا تعذِّبني وأنا أستغفرك! يا أرحم الراحمين! ".

    طواف أهل النار
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    « يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول : بلى قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه » .
    يُقال أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة ، وهذا الطواف يكون يوم القيامة ، حيث يجتمع إليه أهل النار ، تتملَّكهم أقصى درجات الدهشة والتعجُّب ممن كان يحذِّرهم من النار ثم صاحبهم فيها ، ويدعوهم إلى الجنة ثم حُرِمها معهم ، فتندلق أمعاؤه ، وتنكشف أسراره ، ويُبدي الله ما كان يُخفيه ، ويفضح ما كان غارقا فيه.
    لهذا ألحَّ الصحابة على كل من دخل طريق الدعوة أن يكون مؤهَّلا ، وقلبه مهيئا ، وروحه مستعدة ، وإلا كان دخيلا على جمهور الدعاة ، والمستزيد من العلم دون العمل به شبيه بشجر الحنظل ؛ كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة ، فقد جاء رجل إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنه فقال : يا ابن عباس!! إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. قال : أو بلغت؟ قال : أرجو. قال : فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله عز و جل فافعل. قال : وما هن؟ قال : قوله عز وجل : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [ البقرة : 44 ] أحكمت هذه الآية؟ قال : لا. قال : فالحرف الثاني. قال : قوله عز و جل :﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [ الصف : 2-3 ] أحكمت هذه الآية؟ قال : لا. قال : فالحرف الثالث. قال : قول العبد الصالح شعيب عليه السلام : ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود : 88 ] أحكمت هذه الآية؟ قال : لا. قال : " فابدأ بنفسك " .

    7. كثرة الذنوب :

    قال صلى الله عليه وسلم : « الإثم حوَّاز القلوب ، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع » .
    وحوازُّ بتشديد الزاي أو الواو ، فهي حَوَازُّ بتشديد الزاي جمع حازٍّ ، وهي الأمور التي تحزُّ فيها أي تؤثر ، كما يؤثر الحزُّ في الشيء ، أو حوَّاز بتشديد الواو ، أي يحوزها ويتملكها ويغلب عليها.
    وسواء كان المراد أن الذنوب تجرح القلوب وتؤثر فيها ، أو تحوز القلوب وتسيطر عليها ، فإن ضررها عظيم وفادح ، ولذا كان من رحمة الله بعباده أن فرض عقوبات تنبيهية لتستيقظ القلوب رهبا وترتعد الأطراف وجلا ، فتغلق على العدو بابا سبق وأن ولج منه ، وتطرد فلوله على أدبارها بعد أن غزوا قلعته.
    الذنب إذن يُضعف مقاومة حصن القلب العتيد في مواجهة المعاصي ، فتنهار مقاومته أمام أي شهوة ويستسلم لأي غفلة ، فإن تتابعت على القلب غزوات العدو مع انعدام الحراسة عليه أصابته حالة من حالة السُّكر ، فيصبح كالمخمور بل إن المخمور قد يكون أفضل حالا منه ، فإنه تأتيه ساعة إفاقة يصحو فيها ويعقل ، بل لو صادف شيئا ينقذه من همومه غير الخمر لربما تركها ، أما مخمور القلب فلا يفيق من سكرته إلا على دقات ملك الموت يطرق بابه!! فهو ميت في صورة حي ، وحجر في صورة قطعة لحم!!
    إن الوقوع في الذنوب مع عدم النزوع عنها والإقامة عليها يؤدي إلى القساوة أو الموت ؛ لذا كان من بديع شعر ابن المبارك الذي رصد فيه هذا المعنى :
    رأيت الذنوب تميت القلوب ... ويورث الذلَّ أدمانها
    وترك الذنوب حياة القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانها


    8. كثرة الضحك :

    وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لنا حيث قال ناصحا أبا هريرة :
    « ولا تكثر الضحك ؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب » .
    قال المناوي :
    " أي تصيره مغمورا في الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ، ولا يدفع عنها شيئا من مكروه ، وحياته وإشراقه مادة كل خير ، وموته وظلمته مادة كل شر ، وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره وتصور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه " .
    وموت القلب هو أصل فساده ، لذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر :
    « وإياك وكثرة الضحك ، فإن كثرة الضحك فساد القلب » .
    أي أن كثرة الضحك تورث قسوة القلب ، لأن الإفراط فيه يورث الانغماس في اللهو والغفلة عن الآخرة ، وإذا كان الإسلام يكره الغلو والإسراف في كل شي ولو كان في العبادة ؛ فكيف باللهو والمرح؟!

    هزل الأطباء!!
    والبعد عن الإفراط في المزاح أوجب للدعاة ، فهم القدوات والصور التي يتأمل الناس حسنها ثم يقلِّدونها ، وهم الأصل الذي يستنسخ منه الناس نسخا من أعمالهم الزكية ، فإذا كان الأصل مهتزا فكيف بالصورة؟! والبحر الذي يغسل الأدران إذا كان غير نظيف فكيف يُطهِّر؟! وكيف تقسو قلوب من مهمتهم أن تلين بهم قلوب الناس؟! وكيف يموت قلب مطلوب منه أن يحيي قلوب الآخرين؟! ولذا كان من الوصايا العشر للإمام البنا وصيتان مرتبطتان بهذا الأمر ؛ الأولى : " لا تمزح فإن الأمّة المجاهدة لا تعرف إلا الجد " ، والثانية : " لا تكثر الضحك فإن القلب المتصل بالله ساكن وقور " ، ويبيِّن ذلك جليا ويحذِّر منه بشدة بعد أن رصده بدقة في تقريره الميداني المفصَّل الأستاذ الراشد فيقول :
    " وقضايا الإسلام أوفر جدا وأثقل هموما من أن تدع عصبة من الدعاة تطيل الضحك ، وتستجيز المزاح ، وتتخذ لها من صاحب خير فيها محور تندُّر وتروي قصصه وغرائبه ، والابتسامة علامة المؤمن ولسنا نُنْكرها ، والنكتة في ساعتها سائغة ، والأريحية أصل في سلوكنا والألفة والبشاشة ، ليس العبوسة ، والقهقهة الأولى لك ، والثانية نهبها لك أيضا ، فإنا كرماء ، ولكن الثالثة عليك ، وتشفع حسناتك لها عندنا ، وأما الرابعة فيلزمها حد لا شفاعة فيه ، وشعار : الضحك للضحك ؛ باطل ، والهزل الهزيل مرفوض في أوساط العمل الإسلامي ، وإنما الداعية مُفوَّض بالجد والتجديد " .

    بقي لك أربعة
    حتى تستكمل آداب المزاح وتحيط بها علما ؛ هاك ما يلي من شروط المزاح المباح :
    أولها : ألا يكون كذبا ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : « ويل للذي يُحدِّث فيكذب ليُضحك به القوم ، ويل له ، ويل له » .
    قال المناوي : " كرَّره إيذانا بشدة هلكته ، وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم ، وجماع كل فضيحة ، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ، ويجلب النسيان ، ويورث الرعونة ؛ كان أقبح القبائح " .
    وغالبا ما يؤدي بصاحبه إلى الكذب ، لأن غرضه أن يُضحك الناس كيفما كان ، فيسحبه الشيطان رويدا رويدا دون أن يشعر حتى يكذب ليُضحك غيره.
    ثانيا : ألا يشتمل على تحقير أو استهزاء أو سخرية من أحد : « بحسب امرئ من الشَّر أن يحقر أخاه المسلم ».
    ثالثا : ألا يؤدي إلى ترويع مسلم ، فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فخفق رجل على راحلته ، فأخذ رجل سهما من كنانته ، فانتبه الرجل ففزع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل لرجل أن يُرَوِّع مسلما » .
    والسياق يدل على أن الذي فعل ذلك كان يمزح ، وقد ورد في الحديث : « لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه لاعبا ولا جادا ، وإن أخذ عصا صاحبه فليردها عليه » .
    رابعا : ألا يهزل في موضع الجد ، ولا يضحك في مجال يستوجب البكاء ، فلكل شئ أوانه ، ولكل مقام مقال ، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه المناسب.
    وأقبح المزاح ما كان في لحظة خشوع أو عقيب طاعة ، فإنه يذهب بأثرها ويضيع مفعولها في الحال ، وبعد أن كان القلب خاشعا وجلا خائفا رطبا ؛ إذا به يتحوَّل ، وليس قلب المازح وحده بل قلوب كل من سمعوا مزاحه وتأثَّروا به.
    وقد عاب الله تعالى على المشركين أنهم كانوا يضحكون عند سماع القرآن وكان أولى بهم البكاء ، فقال عز وجل : ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُون * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ﴾ [ النجم : 58-60 ]

    اعتراض!!
    قال أبو حامد الغزالي متقمِّصا كلا من شخصية المعارض والمؤيد :
    " فإن قلت : قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف يُنهى عنه؟! فأقول : إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو : أن تمزح ولا تقول إلا حقا ، ولا تؤذي قلبا ، ولا تُفرِّط فيه ، وتقتصر عليه أحيانا على الندور ، فلا حرج عليك فيه ، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ، ويُفرِّط فيه ، ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ؛ ويتمسك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد ، وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار ، فلا ينبغي أن يُغفل عن هذا " .

    9. أكل الحرام :

    السم الذي يصل إلى القلب عن طريق أكلة محرمة يتسبب على الفور في موت القلب ويبوسه ؛ إن لم يتدارك الإنسان نفسه بترياق التوبة ودموع الندم ، وقد قرَّر علماء القلوب مرارا أنه لا ينشأ من أكل الحرام إلا فعل الحرام ، ولا من أكل الحلال إلا فعل الطاعات ، فلو أراد آكل الحلال أن يعصي لما قدر ، ولو أراد آكل الحرام أن يطيع لما قدر.
    فأكل الحلال هو الذي تلين به القلوب وتسمو على إثره الروح ، وهو دواء غير معتاد وزاد يغفل عنه الكثيرون ، ويحسبون الأمر بكثرة الصيام وطول القيام فحسب ، وهو الأمر الذي غاب عن بشر بن الحارث وعن صاحبه عبد الوهاب بن أبي الحسن ، لكن ما كان ليغيب عن إستاذهما أحمد بن حنبل ، فعن أبي حفص عمر بن صالح الطرسوسي قال :
    " ذهبت أنا ويحيى الجلاء إلى أبي عبد الله فسألته ، فقلت : رحمك الله يا أبا عبد الله بم تلين القلوب؟! فأبصر إلى أصحابه فغمزهم بعينه ، ثم أطرق ساعة ، ثم رفع رأسه ، فقال : يا بني بأكل الحلال ، فمررت كما أنا إلى أبي نصر بشر بن الحارث ، فقلت له : يا أبا نصر! بم تلين القلوب؟! قال : ألا بذكر الله تطمئن القلوب. قلت : فإني جئت من عند أبي عبد الله ، فقال : هيه .. إيش قال لك أبو عبد الله؟! قلت : بأكل الحلال ، فقال : جاء بالأصل ، فمررت إلي عبد الوهاب بن أبي الحسن ، فقلت : يا أبا الحسن! بم لين القلوب؟! قال : ألا بذكر الله تطمئن القلوب. قلت : فإني جئت من عند أبي عبد الله ، فاحمرت وجنتاه من الفرح ، وقال لي : إيش قال أبو عبد الله؟! قلت : قال بأكل الحلال ، فقال : جاءك بالجوهر .. جاءك بالجوهر ، الأصل كما قال ، الأصل كما قال " .
    ومن هنا أفتاك إبراهيم بن أدهم بما يلي :
    " أطب مطعمك ؛ ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم بالنهار " .
    بل وعقد هؤلاء العلماء المقارنات وعلَّموك مبكِّرا ما يُعرف بفقه الأولويات ، فنطق عبد الله بن المبارك وقال : " ردُّ درهم من شبهة أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف ؛ حتى بلغ إلى ستمائة ألف " .
    ومن بعد جاء إبراهيم بن أدهم الذي أرشدنا إلى طريق الارتقاء في مدارج المتقين فقال : " ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه ".
    والثالث هو الفضيل بن عياض الذي قال : " من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا ، فانظر عند من تفطر يا مسكين " ، وأخيرا سفيان الثوري الذي فضح آكلي الحرام المتستِّرين بالتصدق منه ببعض الإحسان ، فعرَّفهم حقيقة ما صنعوا بمثل واضح فاضح : "من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهَّر الثوب النجس بالبول ، والثوب النجس لا يطهِّره إلا الماء ، والذنب لا يكفِّره إلا الحلال ".
    وقرَّر أخيرا أبو حامد الغزالي في صرامة واضحة بعد أن استدل بكلام هؤلاء الفضلاء السابقين ( أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام ، وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها ) .
    [/align]

  12. #9

    علامات القسوة


    [align=right]لكل شيء علامة ، بمعرفة هذه العلامة يسهل الاكتشاف المبكِّر لهذا الداء الوبيل ، ألا إن أبرز علامات القلب القاسي :

    ‌أ- تعطل الحواس :

    القلب القاسي .. لا القرآن يُزكِّيه ولا النظر في آيات الله يحييه ، والسبب موت حواسه وتعطل عملها.
    قال ابن الجوزي :
    " رأيتُ هذه الآية : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ [ الأنعام : 46 ] فلاحت لي فيها إشارة كدت أطيش منها ، وذلك أنه إن كان عنى بالآية نفس السمع والبصر ، فإن السمع آلة لإدراك المسموعات والبصر آلة لإدراك المبصرات ، فهما يعرضان ذلك على القلب فيتدبر ويعتبر ، فإذا عرضت المخلوقات على السمع والبصر أوصلا إلى القلب أخبارها من أنها تدل على الخالق ، وتحمل على طاعة الصانع ، وتحذِّر من بطشه عند مخالفته.
    وإن عنى معنى السمع والبصر ؛ فذلك يكون بذهولها عن حقائق ما أدركا شُغِلا بالهوى ، فيُعاقب الإنسان بسلب معاني تلك الآلات ، فيرى وكأنه ما رأى ، ويسمع كأنه ما سمع ، والقلب ذاهل عما يتأذى به لا يدري ما يُراد به ، لا يؤثر عنده أنه يبلى ، ولا تنفعه موعظة تُجلى ، ولا يدري أين هو ، ولا ما المراد منه ، ولا إلى أين يُحمل ، وإنما يلاحظ بالطبع مصالح عاجلته ، ولا يتفكر في خسران آجلته ، فلا يعتبر برفيقه ، ولا يتعظ بصديقه ، ولا يتزود لطريقه ، فنعوذ بالله من سلب فوائد الآلات فإنها أقبح الحالات
    " .

    لا أرى لا أسمع لا أتكلم
    ومن قسوة القلب كونه " أصم لا يسمع الحق أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه ، فيصير النسبة بين القلب وبين الحق كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات ، وعين الأعمى والألوان ، ولسان الأخرس والكلام ، وبهذا يعلم أن الصم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة ، والجوارح بالفرض والتبعية ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ، وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر ، وإنما المراد أن العمى التام على الحقيقة : عمى القلب ، حتى أن عمى البصر بالنسبة إليه كالأعمى حتى يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته " ، واسمع إلى تفاصيل تعطل حواس القاسية قلوبهم حاسة حاسة :

    i. السمع :
    وصف الله حال الكفار حال سماعهم الهدى أنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ، وأطلق الله اسم الأصابع على الأنامل على وجه المجاز ، فإن الذي يُجعل في الأذن الأنملة لا الأصبع كله ، لكنه عبَّر عن الأنامل بالأصابع للمبالغة في إرادة السامعين سد المسامع ؛ بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها ، فإن حدث ووصلت إلى آذانهم كلمة واحدة من كلمات الحق قبل أن يسدوها ، ونفذ إليها سهم من سهام الخير ، لارتد من على أبواب الآذان المؤصدة ، لذا قال تعالى : ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ أي صمما وثقلا مانعا من سماع الحق ، بل لو أزال الله انسداد هذه الأسماع حتى تصل الموعظة إلى قلوبهم لوصلت ؛ لكن إلى قلوب غلفاء لا تُنفِذ النور ، ظلمات بعضها فوق بعض ، لذا قال تعالى : ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [ الأنفال : 23 ]
    والإسماع المطلوب هو إسماع القلوب وهو أعلى درجة من إسماع الآذان ، فإن الكلام له لفظ ومعنى ، فسماع لفظه هو حظ الأذن ، سماع معناه هو حظ القلب ، ومتى لم ينصت القلب ضاع الحديث والحدث ، وقد نفى سبحانه عن الكفار غلاظ القلوب سماع المعنى الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع اللفظ فقط الذي هو حظ الأذن ، وهذا النوع من السماع لا يفيد السامع بل يضره لقيامه حجة عليه.
    وهو ما يلخصه قول أهل الكتاب لنبينا : ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ [ النساء : 46 ] أي اسمع غير مسموع منك ، فآذاننا معك وقلوبنا مع غيرك ، فقاسي القلب لا يسمع ، وإذا سمع لا ينصت ، وإذا أنصت لا يعي ، وإذا وعى لا يُدرك ، وإذا أدرك لا يعمل ، وإذا عمل أتبع عمله برياء وسمعة ، فعمله كله عليه مردود ، وعاقبته ضلال وحسرة.
    وإن كان هذا هو وصف القرآن لسمع أصحاب القلوب القاسية فإن وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم قريب من قريب. قال عليه الصلاة والسلام : « ويل لأقماع القول!! ويل للمصرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون " .
    فكما أن القمع يدخل ما يوضع فيه من جانب ويخرج من الآخر ؛ فكذلك قاسي القلب أذناه طرفا قمع!! يدخل الكلام من الأذن اليمنى ليخرج من اليسرى دون أن يستقر في القلب منه شيء.

    ii. البصر :
    ما أشقى قساة قلوب رانت عليها ذنوب ، فلم تعد عيونهم تبصر دلائل الحق وآيات الخير ، ولا ترى رسل الله نظرا لِما غطى أبصارها من قساوة وجهالة. قال تعالى : ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ [ الكهف : 100-101 ]
    قال ابن القيم :
    " وهذا يتضمن معنيين : أحدهما أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله وأدلة توحيده وعجائب قدرته ، والثاني أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره والاهتداء به ، وهذا الغطاء للقلب أولا ثم يسري منه إلى العين " .
    لذا كان الكافرون -وقلوبهم أشد القلوب قساوة- لهم عيون لا يبصرون بها ، فهم عمي عن الحق لا يبصرونه ، لذا وصفهم ربهم وهو الأعلم بهم بقوله : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [ الحجر : 14-15 ]
    فشبَّه تعطّل حاسة البصر بسكر الشراب ، أي غشيهم ما غطَّى أبصارهم كما غشي السكران ما غطَّى عقله ، فلم ير شيئا ، وإن كان لصاحب القلب الحي في الآية الواحدة آيات ، فإن صاحب القلب القاسي نظرا لتقلبه في ظلمات الذنب وغوصه في أعماق الخطيئة يُعاقَب بأشد العقوبة وهي : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ [ الأنعام : 25 ] ، وهذا يشمل كلا من آيات الله المنظورة في كونه أو المستورة في كتابه ، فمرور الآيات عليه شبيه بطلوع الشمس والقمر على العميان.
    ألا رب ذي عينين لا تنفعانــه ** وهل تنفع العينان من قلبـه أعمى
    قد يُنصَح من بعينيه رمد بِعدم البروز إلى الشمس ، وما في الشمس مِن عيب ولا مرض! والمرض في عيني الأرمد! وقد يُنصح المريض بِعَدم شمّ الطِّيب .. وما في الطِّيب إلا الشذى والعطر.
    فقل للعيون الرُّمْد للشمس أعينُ ** تراها بِحَقٍّ في مَغِيبٍ ومَطلعِ
    وسامِح عيونا أطفأ الله نورهـا ** بأبصارها لا تسْتفيق ولا تَعِي


    iii. اللسان :
    قاسي القلب الخرس أحسن من معانيه والعي أبلغ من بيانه ، وقال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم : « وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم » .
    واسمع مثلا إلى ابن هانئ الأندلسي وهو يمدح الخليفة المعز بقوله :
    ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
    فابتلاه الله بمرض شديد على إثر هذا الكلمة ، صار يعوي فيه من شدة الألم نادما على ما قال ، لسان حاله :
    أبعين مفتقرٍ إليك نظرتَ لي ... فأهنتني وقذفتني من حالق
    لستَ الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق

    فقاسي القلب على الإجمال ما سلمت له يد ولا قدم ولا عقل ولا جارحة ، وهذا حال القلب حين يقسو ويذبل ويفقد رطوبة إيمانه ، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ، فكل شيء طالح ، وهل يخرج من الفاسد إلا فاسد؟! وهل يلد الضال غير ( ضلَّ ) ( يضلُّ ) ( ضلالا )؟!
    قاسي القلب غافل عن الغاية التي خلق الله لأجلها لسانه فلا ذكر ولا دعاء ولا خير ولا بناء ، بل غيبة وفحش ، وخشن قول واعتداء ، والقساوة القلبية ستؤدي إلى قساوة اللفظ ولا بد.

    مثل فقهي
    وحتى تقترب الصورة وتكون أوضح ، وتعرف معنى تعطل الحواس عند قاسي القلب وتُصدِّق ما أقول هاك هذا المثل العملي في هذا الحديث :
    عن صفية بنت شيبة قالت : حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا طلاق ولا عِتاق في إغلاق » .
    والإغلاق هو شدة الغضب أو الإكراه ، ذلك أن الإنسان في حالة الغضب الشديد قد يفقد إحساسه بمن حوله فلا سماع لصوت الحق ولا إبصار لعواقب الأمر ولا عقل يُرشد للصواب ، تماما كما يُغْلَق البابُ على الإنسان ، فلا يدرك ما حوله ، ولذا جعل الشارع الحكيم لا عبرة عندها بالطلاق أو الإعتاق ، وهو شبيه بما يحدث لقاسي القلب الذي لجَّ في عصيانه حتى ذهب عقله ، وكما تأتي الإنسان حالات يفقد فيه عقلة وسيطرته على حواسه من جراء غضب عارم ؛ تأتيه كذلك أوقات وحالات تتعطَّل فيها حواسه من جراء غفلة عارمة أو قساوة شديدة أو طول غياب عن أنوار الحق.
    يا مؤثر الأمراض على العافية .. يا مختار الكدر على الصافية :
    إذا كنت تضجر من حجاب الشمس ساعة ، فكيف لا يضجر من شمس عقله محجوبة عن الحق أربعين عاما؟!
    ومن القلوب القاسية : القلوب الممسوخة ، قال ابن القيِّم وهو يتكلم عن أثر الذنوب :
    " ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تُمسخ الصورة ، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته ، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ، ومنها ما يمسخ على خلق كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك ، وهذا تأويل سفيان بن عيينة فى قوله تعالى : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام :38 ]. قال : منهم من يكون على أخلاق السباع العادية ، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب ، وأخلاق الخنازير ، وأخلاق الحمير ، ومنهم من يتطوَّس في ثيابه لحما بتطوس الطاووس فى ريشه ، ومنهم من يكون بليدا كالحمار " .
    ومن أقسام القلوب القاسية : القلوب المحجوبة ، فقد قال ابن القيِّم وهو يُكمل كلامه عن أثر الذنوب :
    " ومنها حجاب القلب عن الرب فى الدنيا ، والحجاب الأكبر يوم القيامة كما قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين : 15 ] ، فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها ، فيروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها ، وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه ، فتفوز بقربه وكرامته وتقرَّ به عينا ، وتطيب به نفسا ، بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين قلوبهم ، وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم " .
    ومن أقسام القلوب القاسية : القلوب المطبوعة. قال تعالى : ﴿ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ [الأعراف : 100] ، وأصل الطبع : الصدأ يكون على السيف ونحوه ، فلا يدخلها شيء من ضوء الهدى ، فصاروا بسبب استغراقهم في ذنوبهم مطبوعا على قلوبهم لا يصل إليها من النور شيء ، فلا يسمعون ما يُتلى من الوعظ والإنذار ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : « من ترك الجمعة ثلاث مرات متواليات من غير ضرورة طبع الله على قلبه » .
    ومن أقسام القلوب القاسية : القلوب المكنونة كما قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [ فصلت : 5 ] ، وهي جمع كِنان ، وأصله من الستر والتغطية ، فذكر الله في هذه الآية غطاء القلب وهو الأكنة ، وغطاء الأذن وهو الوقر ، وغطاء العين وهو الحجاب ، والمعنى : إنا في ترك قبول أي شيء منك بمنزلة من لا يسمع ما تقول ولا يراك.
    فهذا الصنف من الناس لا يكتفي بما قاله أصحاب القلوب المغلفة : ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ ، إنما يتجاوز ذلك ، ويبدي كراهيته لسماع أي خير ، بل وعدم رغبته حتى في رؤية من يرشده إلى الخير ، فمجرد رؤيتُه تُنغِّص عليه لذته الدنيوية ، وهذا النوع من أقسى أنواع القلوب ، وقد قال تعالى في تشبيه هؤلاء المعرضين عن كلامه وهديه : ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ [ المدثر : 49-51 ]
    قال ابن القيم :
    " شبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحُمر رأت الأسد أو الرماة ففرَّت منه ، وهذا من بديع القياس والتمثيل ، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئا ، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور ، وهذا غاية الذم لهؤلاء ، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يُهلكها ويعقرها ، وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة ؛ فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضَّه على النفور ، فإن في الاستفعال من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد ، فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه " .
    وهل تنفع الموعظة مع أمثال هؤلاء؟! كلا والله ..
    إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة ** كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر

    ‌ب- احتلال الدنيا القلب :

    ما فائدة شراب الدنيا الحلو إذا كان يورثُ الشرق. قال صلى الله عليه وسلم : « تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ؛ إن أُعطِي رضي ، وإن لم يُعطَ سخِط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش » .
    قال الطيبي : " خصَّ العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها ، كالأسير الذي لا يجد خلاصا ، ولم يقل : مالك الدينار ولا جامع الدينار ، لأن المذموم من المُلك والجمع : الزيادة عن قدر الحاجة " .
    وكذلك خصَّ الشوكة بالذكر لأنه أقل ما يُتصوَّر من الألم ، فإذا دعا بعدم زوال أقل الألم انتفى زوال ما فوقه بالأوْلى ، فهو دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على عاشق الدنيا بالتعاسة والكآبة وفقدان السعادة ، ومن معاني التعاسة في اللغة : سقوط العبد من فوق دابته وتعثره وانكبابه على وجهه ، فيكون معنى الدعاء : سقوطه الدائم مع ما في هذا السقوط من هوان وذلة وصغار ، وأما الدعاء عليه بالانتكاس فالانتكاس هو الانقلاب على الرأس كناية عن الخيبة والخسار ، ومنه انتكاسة المريض وهو رجوع المرض إليه بعد أن ظن أنه منه شُفِي ، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا على عبد الدنيا أن يظل في سقوط دائم أي كلما أفاق سقط وكلما نهض تعثر ، ولذا تجد الغارق في دنياه وأمواله قلما يفيق ، وإذا أفاق كان ذلك على قارعة وقعها شديد تهزه هزا عنيفا ليس غير.

    بالمؤمنين رؤوف رحيم
    ونظرا لتسلل مرض حب الدنيا إلى القلوب ، وغزوه لها في هدوء وكتمان وتدرج وخبث فلا يشعر به أحد ؛ كان من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمّته أن علَّمها هذه الدعوات لاطلاعه من وراء ستار الغيب على المستقبل ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الكلمات لأصحابه :
    « اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا » .
    وكان هذا في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهي مجالس آخرة لا تُذكر فيها الدنيا إلا لتزرع للآخرة ، وهو دعاء موجه إلى قلوب القرن الأول التي لم يكن لغير الله فيها شيء ، فكيف بمجالس القرن الواحد والعشرين ورسول الله عنها غائب ، وقلوبنا تشكو فيها توالي غارات المادية عليها ، وتعاني إزاحة همِّ الآخرة تحت مطارق التنافس المادي الشرس والتكالب الدنيوي الشره؟! فيا إخوتاه!! يا أهلاه!! أفيقوا قبل أن تُضرب على قلوبكم القسوة التي يعجز معها أبرع الأطباء ، أفسحوا لأخراكم نصيبا من دنياكم قبل نزول الموت ، وأيقنوا أنكم إن لم تركعوا لله بقلوبكم وأجسامكم في خشوع ؛ ستركع قلوبكم وتسجد للدنيا في تذلل وخضوع ، ومن رغِب عن عبودية الله ابتُلي بعبودية الخلق ولا بد ، ومن زهد في حب الله عوقب بحب الدنيا حتى الثمالة ، ألا فاهدموا هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون.
    قال ابن القيِّم :
    " ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الحنفاء لقومه : ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [ الأنبياء : 52 ] ، فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف ، فكان حظ قومه العكوف على التماثيل ، وكان حظه العكوف على الرب الجليل ، والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة ، فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه ، وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام ، ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم ، فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا عليها ؛ فهو نظير عكوف الأصنام عليها ، ولهذا سماه النبي عبدا لها ودعا عليه بالتعس والنكس فقال : تعس عبد الدينار " .
    رحم الله رجالا سلمت منهم القلوب وطهروا من العيوب ، فكانت الدنيا عندهم أحقر من أن تحتاج إلى محاربة أو تتطلب مجاهدة ، قال ابن الجوزي :
    " ويحك!! إنما يكون الجهاد بين الأمثال ، ولذلك مُنِع من قتل النساء والصبيان ، فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك إلى محاربة لها؟! أما علمت أن شهواتها جيف ملقاة؟! أفيحسن ببازي الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة؟! " . لسان حال أحدهم :
    الله يعلم أني لست أعشقها ... ولا أريد بقاءً ساعة فيها
    لكن تمرَّغت في أدناسها زمنا ... وبت أنشرها حينا وأطويها
    وكم تحمَّلت فيها غير مكترث ... من شامخات ذنوب لستُ أحصيها
    فقلت أبقى لعلي أهدم ما ... بنيتُ منها وأدناسي أنقيها
    ومن ورائي جبال لست أقطعها ... حتى أخفِّف أحمالي وألقيها
    يا ويلتي وبحار العفو زاخرة ... إن لم تُصبني برش في تثنيها


    ‌ج- انتكاسة الفطرة :

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يصف حال عاشق انتكست فطرته :
    أحب لحبها السودان حتى ** أحب لحبها سود الكلاب
    " فقد أحب سوداء فأحب جنس السواد حتى في الكلاب ، وهذا كله مرض في القلب في تصوراته وإرادته " .
    واسمع هذه القصة التي تثبت لك صحة كلام ابن تيمية والتي أوردها ابن الجوزي في المنتظم عن رجل كان صريع شهوته وقتيل هواه ، واسمه أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر ؛ وكان قد عشِق عشقا حراما ، ولو كان مع امرأة لكان مع جرمه معذورا بحال مع الأحوال ، لكنه كان عشقا قبيحا فاحشا انتكست به فطرته مع غلام!! والغلام اسمه أسلم بن أبي الجعد من بنى خلد ، وكان فيهم وزارة أي كانوا وزراء للملوك وحجابا ، فأنشد فيه أشعارا تحدث الناس بها ، وكان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ ؛ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس ، وانقطع في دارهم ، وكان لا يجتمع بأحد من الناس ، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرض من ذلك مرضا شديدا بحيث عاده منه الناس ، ولا يدرون ما به ، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء ، فسأله عن مرضه ، فقال : أنتم تعلمون ذلك ومن أي شيء مرضي وفي أي شيء دوائي ؛ لو زارني أسلم ونظر إليَّ نظرة ، ونظرته نظرة واحدة لبرأت!! فرأى ذلك العالم من المصلحة أن لو دخل على أسلم وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفيا ، ولم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته ؛ فانطلقا إليه فلما دخلا دربه ومحلته تجتن الغلام ، واستحى من الدخول عليه ، وقال للرجل العالم لا أدخل عليه وقد ذكرني ونوَّه بأسمي ؛ وهذا مكان ريبة وتهمة ، وأنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم ، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى عليه ، فقال له إنه ميت لا محالة ، فإذا دخلت عليه أحييته ، فقال : يموت وأنا لا أدخل مدخلا يُسخِط الله علي ويغضبه ، وأبى أن يدخل وانصرف راجعا إلى دارهم ، فدخل الرجل على ابن كليب ، فذكر له ما كان من أمر أسلم معه ؛ وقد كان غلام ابن كليب دخل عليه قبل ذلك ، وبشَّره بقدوم معشوقه عليه ، ففرح بذلك جدا ، فلما تحقق رجوعه عنه اختلط كلامه واضطرب في نفسه ، وقال لذلك الرجل الساعي بينهما : اسمع يا أبا عبد الله واحفظ عنى ما أقول ثم أنشده :
    أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النحيل
    وصلك أشهى إلى فؤادى ... من رحمة الخالق الجليل

    فقال له الرجل : ويحك!! اتق الله تعالى!! ما هذه العظيمة!! فقال : قد كان ما سمعت أو قال القول ما سمعت. قال : فخرج الرجل من عنده فما توسط الدار حتى سمع الصراخ عليه وسمع صيحة الموت وقد فارق الدنيا على ذلك .
    وهو ما عبَّر عنه ابن الجوزي بمثل من عالم الحيوان حين قال : " هيهات .. إن الطبع الردي لا يليق به الخير ، هذه الخنفساء إذا دُفِنت في الورد لم تتحرك ، فإذا أعيدت إلى الروث رتعت ، وما يكفي الحية أن تشرب اللبن حتى تمج سمها فيه ، وكل إلى طبعه عائد " .

    ‌د- الفرح بالخطيئة :

    الفرح بالمعصية والتفاخر بها والدعوة إليها كل هذه أدلة على شدة الرغبة فيها والجهل بسوء عاقبتها والاستهانة بقدر من عصاه العبد ، فكل من اشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه ، وليبك على موت قلبه ، فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ، ولا يحس القلب الميت بذلك فحيث ، فما لجرح بميت إيلام.
    قال ابن عطاء :
    " من علامات موت القلب : عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات ، وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات " .
    وقد سمى ابن القيم هذه العلامة : الخسف بالقلب كما " يُخسف بالمكان وما فيه ، فيخسف به إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر ، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل كما أن القلب الذى رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوَّالا حول البر والخير ومعالي الأمور والأعمال والأقوال والأخلاق " .

    ‌ه- ألعوبة الشيطان :

    تذكَّر دائما أن العقل السليم في الجسم السليم ، ومعنى هذا أن التغذية الإيمانية وتعاهد الرجل قلبه لا بد وأن تثمِر بإذن الله تصحيح مفاهيمك وضبط أفكارك في إطار الشرع الحنيف ودوائر الهدى ، والعكس بالعكس في حالة قسوة القلب ويبوسته ، فيتبع قسوة القلب فساد يحصل له يُفسِد تصوره للحق ، فلا يرى الحق حقا ، أو يراه باطلا ، أو ينقص إدراكه له ، وتنعدم إرادته له ، فيبغض الحق النافع ، ويحب الباطل المهلك.
    واسمع إلى حالة مستعصية من حالات تلاعب الشيطان بالقلب ، وإفساده لتصوراته ، وعكسه لإدراكاته ، ومثل جليٍّ على الفطرة حين تنتكس والشيطان حين يتحكم والغواية وقد غلبت ، وذلك في قصة قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عبد الرحمن بن ملجم :
    كان عبد الرحمن بن ملجم قد أبصر امرأة من بني تميم يُقال لها قطام ، وكانت من أجمل أهل زمانها ، وكانت ترى رأي الخوارج فولع بها فقالت : لا أتزوج بك إلا على ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب ، فقال لها : لك ذلك ، فأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة ليعاونه في قتل علي ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال : وما ذاك؟ قال : قتل علي بن أبي طالب!! فاتفقا على قتله وقد كان ، واسمع إلى خاتمته وكيف سخر الشيطان منه حتى آخر لحظات حياته :
    " ثم إن الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه فقال لهم أولاد علي : دعونا نشتفي منه ، فقُطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتُر عن الذكر!! ثم كحلت عيناه وهو فى ذلك يذكر الله!! وقرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها ، وإن عينيه لتسيلان على خديه ، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا ، فقيل له في ذلك فقال : إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر الله!! " .
    وأيضا وقع في هذا الفخ وانخدع للشيطان عمرو بن الحمق وهو من قتلة عثمان رضي الله عنه ، فقد وثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات قال عمرو : " فأما ثلاث منهن ؛ فإني طعنتهن إياه لله ، وأما ست فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه " .
    إنه تلاعب الشيطان بهذه القلوب ، وإلباسه أكبر الكبائر ثياب أعظم القربات ، وإدخالهم النار بما يظنونه يُدني من الجنة ، ونيل سخط الله وهم واهمون أن الرحمة تغمرهم ، نسأل الله العافية.

    ‌و- بكاء الذليل :

    علام يبكي قاسي القلب؟! لكم أن تتوقَّعوا ، هل يبكي على فوات حظه من الله أم حظه من الشيطان؟! هل يبكي على ضياع الأجر أو فوات الوزر؟! هل يبكي على الدنيا أم الآخرة؟! ألا فلتسمعوا الطنطاوي يخاطب فريقا من هؤلاء وهم عشاق لبنى وليلى قائلا :
    " ولا تقيموا الدنيا وتقعدوها ، وتغرقوا الأرض بالدموع لأن الحبيبة المحترمة لم تمنح قُبلة وَعدت بها ، ولم تصِل وقد لوَّحت بالوصل ، تنظمون الأشعار في هذه الكارثة وتنشؤون فيها الفصول ، تبكون وتستبكون ، ثم تنامون آمنين مطمئنين ، والنار من حولكم تأكل البلاد والعباد.
    الشعر شعور ، فأي شعور وأي حس فيمن يرى أمّة كريمة مجيدة بقضِّها وقضيضها ، ومفاخرها وتاريخها وحياتها وأمجادها تُطرد من ديارها وتُخرج من بيتها –وهي أمّته ، وأفرادها إخوته – لتعطى مساكنها إلى أمّة من أسقط الأمم ، أمّة ضُرِبت عليها الذلة والمسكنة وباءت بغضب من الله ، وغضب من الناس ومن الحق والفضيلة والتاريخ ، ويرى صدورها مفتحة للرصاص ، وشيوخها مساقين إلى حبال المشانق ، وشبابها في شعاف الجبال وبطون الأودية يدفعون الظلم بالدم ، وأطفالها ونساءها بين لصين : لص ديار ، ولص أعراض ، لص يحارب بالذهب ، ولص يقاتل بالبارود ثم لا يُحِس بهذا كله ، ولا يدري به ولا يفكِّر فيه لماذا؟ لأن الشاعر المسكين مصاب متألم!.
    ما له؟ ما مُصابه؟ إن حبيبته لم تعطه خدَّها ليقبِّله!! إن العاطفة إذا بلغت هذا المبلغ كانت جريمة
    " .

    ‌ز- داء الذكر :

    قال تعالى متوعِّدا ومنذرا : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلوْبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ ﴾ [ الزمر : 22 ]
    أي قست قلوبهم بسبب ذكر الله الذي لانت له قلوب المؤمنين وانشرحت صدورهم ، فاستقبلوا الدواء على أنه داء ، وتلقوا الغيث بسد المنافذ عليه ، وقابلوا الضيف المحمَّل بالهدايا بالأبواب المؤصدة ، فإذا ذُكر الله تعالى عندهم أو تُلِيت آياته اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة وغلظة وشدة ، وللمبالغة في وصف أحياء القلب بالقبول ووصف قساة القلب بالصدود ؛ فقد ذكر الله شرح الصدر دون القلب الذي يسكن فيه ليدل على شدة قبول أحياء القلوب للإسلام حتى ملأ الصدر الأوسع من القلب ؛ بعكس قساة القلوب.
    وسبب هذا التباين الرهيب والبون الشاسع : اختلاف قابلية القلب واستعداده للهداية ، فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القلب المتلقي ونوعية التربة المستقبلة ، فذكر الله سبب لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر ، فإذا حلَّ فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضا مما كانت عليه : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [ الزمر : 45 ]
    قلوب بذكر الله تزداد قسوة ** فلا الوعظ يُجدي ولا العُتب ينفع
    أسوق لها طيب الكلام لعلها ** تلين فلا تصغي ولا تتخشَّع
    إذا قلت هذا مدرج القوم فارتقي ** يقول الهوى : جدَّثت من لم يسمع
    وإذا هوت يوما إلى الناس شهوة ** تراها إلى ما يُغضب الرب تُسرِع


  13. #10

    القلب المريض

    المرض دون القساوة ، والقلب المريض هو المتذبذب بين السلامة والقساوة ، فهو يعلو حينا ويهبط حينا ، وهو القلب الذي تمده مادتان : مادة إيمان ومادة كفر ، وهو إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى ، وإن غلبت عليه صحته التحق بالقلب السليم ، وخطورة هذا القلب وأهميته تتمثَّل في أن الشيطان لا يقرب القلب القاسي الميت فهذا لا مطمع له فيه ، ولا يستطيع أن يقرب القلب الحي وإلا احترق ، إنما يهاجم القلوب المريضة.
    وخطورة هذا القلب كذلك في أن أمراض القلوب تفوق أمراض الأبدان كمّا وكيفا ، بل تتفاوت تفاوتا عظيما من حيث مدة المرض ، فالأمراض لها أعمار ، فمن مرض موسمي عارض إلى مرض مستحكم دائم ، ومن مرض ساعة إلى مرض شهر إلى مرض لا يزول إلا بموت صاحبه ، فكم سيطول مرضك ، ومتى الشفاء من العناء؟! كما تتفاوت خطورة المرض الواحد تفاوتا شديدا ، فمن إصابة حادة إلى إصابة مزمنة ، ومن مرض مؤلم إلى آخر مميت ، ومن مرض محدود الأثر لا يتعدَّى صاحبه إلى مرض مُعدي يضر بالمجتمع ، لكن .. وقبل الدخول في التفاصيل ..

    ماهو المرض؟!

    قال ابن القيِّم :
    " والمرض يدور على أربعة أشياء فساد وضعف ونقصان وظلمة ، ومنه مَرِض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه ولم يبالغ ، وعين مريضة النظر أي فاترة ضعيفة ، وريح مريضة إذا هَبَّ هبوبها كما قال :
    راحت لأربعك الرياح مريضة ، أي لينة ضعيفة حتى لا يعفى أثرها ، وقال ابن الأعرابي : أصل المرض النقصان ومنه بدن مريض أي ناقص القوة ، وقلب مريض : ناقص الدين ، ومَرِض في حاجتي إذا نقصت حركته ، وقال الأزهري عن المنذري عن بعض أصحابه : المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها. قال : والمرض الظلمة وأنشد :
    وليلة مرضت من كل ناحية ** فما يُضيء لها شمس ولا قمر
    هذا أصله في اللغة
    " .
    أما من حيث الواقع والمشاهد ، فيكمل ابن القيِّم كلامه في موضع آخر فهو فارس هذا الميدان بلا جدال :
    " كل عضو من أعضاء البدن خُلِق لفعل خاص به كماله في حصول ذلك الفعل منه ، ومرضه : أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب ، فمرض اليد : أن يتعذر عليها البطش ، ومرض العين : أن يتعذر عليها النظر والرؤية ، ومرض اللسان : أن يتعذر عليه النطق ، ومرض البدن : أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها ، ومرض القلب : أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة " .

    نوعا المرض

    وأمراض القلوب نوعان : أمراض تتعلق بالجوارح وهي الشهوات ، وأخرى تتعلق بالعقول وهي الشبهات ، وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ، ومضلات الهوى » .
    ومضلات الهوى هي الشبهات. قال ابن القيم :
    " وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع والهوى على العقل ، فالأول : أصل فتنة الشبهة ، والثاني : أصل فتنة الشهوة ، ففتنة الشبهات تُدفع باليقين ، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين ، فقال : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [ السجدة : 17 ] ، فدلَّ على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين " .

    1. مرض الشهوات :
    قال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [ آل عمران : 14 ]
    فالشهوات شكلها حلو وطعمها حلو ، لكنها الحلاوة التي تتبعها المرارة ، وتلحقها التبعات ، وتتلوها الحسرات ، وتخامر العقل فتُسكره ، وتدخل عليه فتغلبه ، وإنما تُصرع عقول أذكى الأذكياء وأحكم الحكماء عند التهاب الشهوات.
    والآن إلى أول شهوة وهي :
    ‌أ. شهوة حب الدنيا وجمع المال : وهي أول شهوة حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم أمّته حيث قال صلى الله عليه وسلم : « إن الدنيا خضرة حلوة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا ، .. » .
    ولأن الرزق مضمون ، لذا لم يخش علينا النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر بل خاف علينا الغنى ، فأقسم صلى الله عليه وسلم –وهل يحتاج مثله إلى قسم؟!- : « والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم ؛ فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم » .
    والحق أن شهوة حب المال عمت غالب الخلق حتى فُتِنوا بالدنيا وزهرتها ، وصارت غاية قصدهم : لها يطلبون ، وبها يرضون ، ومن أجلها يغضبون ، وبسببها يوالون ، وعليها يعادون ، وكم قُطِعت أرحام في سبيلها ، وسُفِكت دماء بسببها ، ووقعت فواحش من أجلها ، ونزلت القطيعة وحلَّت البغضاء ، وفُرِّق بين الأخ وأخيه ، وتقاتل الأب مع ابنه ، وتعادى الأصحاب والخلان ، والسبب : دنيا.
    وهذا ما استشرفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى لم يؤثِّر في بصيرته الفرح بالغنيمة والانشغال بالنصر ، فقد أورد ابن حجر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتي بمال من المشرق يُقال له نفل كسرى ، فأَمر به فصُبَّ وغُطِّي ، ثم دعا الناس فاجتمعوا ، ثم أمر به فكُشِف عنه ، فإذا حُلي كثير وجوهر ومتاع ، فبكى عمر ، وحمد الله عز وجل ، فقالوا له : ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها ، فقال : " ما فُتِح من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا حرمتهم " .
    ولماذا لا يبكي عمر ، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المصير في نظره لحالنا المؤلم من وراء ستار رقيق ، فقال : « كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. أي قوم أنتم؟ ». قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : نقول كما أمرنا الله. قال : « أو غير ذلك؟ تتنافسون ، ثم تتحاسدون ، ثم تتدابرون » .
    ولأنه رأى ما لم نر ، وأحس بما ينتظرنا ، وخاف من سوء عاقبتنا ، فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من أناس يبيعون الدين بعرض الدنيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : « بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم : يُصبح الرجل مؤمنا ويُمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا » .
    وهو ما أخاف عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة حتى بكى ، فقال : يا أبا فلان!! أتخشى علي. قال : كيف حبك للدرهم؟! قال : لا أحبه قال : " لا تخف فإن الله سيعينك " .
    ومن آثارها المدمِّرة عدم جدوى نصيحة عشاقها ، وهو ما سبق ورصده أبو يحيى مالك بن دينار حين قال : " إن البدن إذا سقم لم ينجح فيه طعام ولا شراب ، ولا نوم ولا راحة ، وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم تنجح فيه الموعظة " .
    ومن آثارها المؤلمة والمشاهدة بوضوح والمُجرَّبة مرارا وتكرارا أنك " بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج همّ الدنيا من قلبك " .

    الفضيحة!!
    ومن علامات حب الدنيا : بيع الآخرة بالاغتراف من المال دون مبالاة بمصدره : حلال أم حرام ، وقد تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الزمان ، ولعله زماننا الذي نعيش فيه فقال : « ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال؟ أمن حلال أم من حرام؟ » .
    وجزم في قول آخر أن هذا الداء داء قديم موغل في القِدم فقال :
    « إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم » .
    وإذا كان لا بد من ورود كلمة الحرص في قاموس حياتك ، فليكن الحرص النافع لا الحرص الفاجع كما في نصيحة العابد الزاهد عبد الواحد بن زيد الذي قال :
    " الحرص حرصان : حرص فاجع ، وحرص نافع ، فأما النافع : فحرص المرء على طاعة الله ، وأما الحرص الفاجع : فحرص المرء على الدنيا " .
    ومن علامات حب الدنيا : الحسد الذي يحس صاحبه بالألم إذا فاته من حظوظ الدنيا شيء كالمال والجاه والمنصب والسلطان ، فلا يرضى عن حاله أبدا ، بل يعتبر نفسه دائما سيء الحظ صريع الأقدار لأنه لم ينل ما نال غيره ، مع أنه لا يحس بنفس الشعور إذا رأى من هو خير منه دينا وأفضل منه خلقا ، فلا يغار إلا لدنيا ، ولا ينافس أبدا في دين ، ليكون ممن عيَّرَهم ابن المبارك بقوله :
    أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا ** ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
    فاستغنِ بالدين عن دنيا الملوك كما ** استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

    والحسد كما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدش الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : « ولا يجتمعان في قلب عبد : الإيمان والحسد » ، فيا أخي الحاسد :
    متى تُمسي وتُصبح مستريحا ** وأنت الدهر لا ترضى بحال
    وقد يجري قليل المال مجرى ** كثير المال في سد الخلال
    إذا كان القليل يسدُّ فقري ** ولم أجد الكثير فلا أبالي

    ومن علامات حب الدنيا : كثرة الحديث عنها ، فمن أحبَّ شيئا أكثر من ذكره ، فكثرة الكلام عن التجارات ، وأحدث الأزياء والموضات ، وأنواع السيارات ، وآخر الصيحات ، وأشهى المأكولات ، وإضاعة المجالس في الإشادة بهذه الأمور ؛ كل هذا يدل على أن القلب مزدحم بدنيا لم تفسح للآخرة موضع قدم.
    ومن علامات حب الدنيا : المغالاة في الاهتمام بترفيه النفس مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا ، والاهتمام بالكماليات والترفيات اهتماما يملك عليه وقته وعقله ، فيجهد نفسه بشراء الأنيق من اللباس ويزوِّق مسكنه وينفق الأموال والأوقات في هذا ، ويغرق في التنعيم والترف المنهي عنه في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأوصاه فقال : « إياك والتنعيم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين » .
    ولذلك حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أخذ الكفاية من الدنيا دون التوسع الذي يشغل عن ذكر الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله » ، بل هدَّد النبي صلى الله عليه وسلم المكثرين من الأموال إلا أهل الصدقات فقال : « ويل للمكثرين إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا ، أربع عن يمينه وعن شماله ومن قُدَّامه ومن ورائه » ، وصدق القائل :
    فلو كانت الدنيا جزاءً لمُحسِنٍ ** إذا لم يكن فيها معاش لظالم
    لقد جاع فيها الأنبياء كرامة ** وقد شبِعت فيها بطون البهائم


    لا تذموها ولكن
    قال يحيى بن معاذ الرازي : " الدنيا خزانة الله فما الذي يُبغض منها ، وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر يسبِّح الله فيها. قال الله تعالى : " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " ، وقال الله تعالى : " ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " ، فالمجيب له بالطاعة لا يستحق أن يكون بغيضا في قلوب المؤمنين " .
    فليس المطلوب منك سب الدنيا أو الهرب منها بل الواجب عليك : تحقيق الزهد ، والزهد في أبسط صوره ومعانيه أن تحوز الدنيا في يدك لا في قلبك ، وأن تملكها لا أن تملكك ، وأن تضحي بها في سبيل آخرتك لا أن تبيع الآخرة من أجلها ، وأن تطلب الآخرة بالدنيا لا أن تطلب الدنيا بالآخرة ، وأن تفرِّغ قلبك مما خلت منه يدك ، ويبشِّرك عندها بحسن العاقبة الدنيوية والأخروية يحيى بن معاذ فيقول :
    " الدنيا أمير من طلبها ، وخادم من تركها ، الدنيا طالبة ومطلوبة ، فمن طلبها رفضته ، ومن رفضها طلبته ، الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها ، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور ، ومن طلَّق الدنيا فالآخرة زوجته ، فالدنيا مطَلَّقة الأكياس ، لا تنقضي عدتها أبدا ، فخلِّ الدنيا ولا تذكرها ، واذكر الآخرة ولا تنسها ، وخذ من الدنيا ما يبلِّغك الآخرة ، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة " .
    وما يعين قلبك على التشبع بالزهد : المقارنة العابرة بين الدنيا والآخرة كمَّا وكيفا ، فالدنيا أيام قلائل معدومة في مواجهة خلود لا آخر له ، والدنيا نعيمها متنغص ، إن أضحكت اليوم أبكت غدا ، وإن سرَّت تبع سرورها الردى ، وإن حلَّت فيها النعم جميعا نزلت فيها النقم سريعا ، إن أخصبت أجدبت ، وإن جمعت فرَّقت ، وإن ضمت شتَّتت ، وإن زادت أبادت ، وإن أسفرت أدبرت ، وإن راقت أراقت ، وإن عمَّت بنوالها غمَّت بوبالها ، وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها ، غزيرة الآفات ، كثيرة الحسرات ، قليلة الصفا ، عديمة الوفا ، ومن لم يتبصر في أمرها اليوم عضّ يديه غدا ، وبكى مع الدمع دما ، بل وحتى من ملك أقصى نعيمها .. أتظنونه قد استراح؟! كلا والله ..
    أرى من الدنيا لمن هي في يديه ** عذابا كلما كثُرت لديه
    تهين لها المكرمين لها بذل ** وتُكِرم كل من هانت لديه

    وأين كل هذا من الآخرة ونعيم الآخرة ولذة الآخرة وخلود الآخرة؟!
    وبعد الإحاطة بالزهد علما تنزل إلى ساحة الجد عملا ، وممارسة يومية ومشقة نفسية ، والنفس على ما عوَّدتها نشأت ، وكيف ما ربيتها نمت وترعرت ، ولذا لما قيل هذا المعنى شعرا على لسان أبي ذؤيب الهذلي :
    والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها ** وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنع
    قال الأصمعي : " هذا أبدع بيت قالته العرب " .

    توازَن .. لا تقع!!
    واسمع إلى هذا التوازن الرائع الذي نجح في بلوغه الصحابي الجليل الزبير بن العوَّام رضي الله عنه ، وتعليمه لنا معنى الزهد الحقيقي ، وذلك في ما رواه عنه عمر بن قيس قال :
    " كان لابن الزبير مائة غلام ، يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى ، فكان ابن الزبير يُكلِّم كل واحد منهم بلغته ، فكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت : هذا رجل لم يُرِد الله طرفة عين ، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت : هذا رجل لم يُرِد الدنيا طرفة عين " .
    إنه الاحتراف الإيماني بشقيه الدنيوي والأخروي ، وبلوغ المؤمن أقصى ما يبلغه صاحب دنيا من علوم وفنون ، وما يبلغه صاحب آخره من تقوى واهتداء ، وما أحوجنا اليوم إلى أحفاد ابن الزبير ، نريد المؤمن الثري الذي يضرب بماله في كل تجارة ويربح في كل سوق ، ثم هو مع ذلك الزاهد الورِع الذي يسخِّر ماله لنصرة الدين ونفع المسلمين .. نريد الناس إذا مدحوا ثريا بكثرة ماله التفتوا إلى تقواه فزادهم إيمانا واقتداء .. نريد أن نكسر احتكار ملايين اللاهين والعابثين لثروات الأمّة .. نريد أن نذكر أن عثمان اشترى الجنّة بماله ، وأن مال أبي بكر هو أكثر ما نفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك نريد أن نفعل.

    نعم .. آن لنا نحن أبناء الإسلام في القرن الحادي والعشرين أن ندرك الزهد الحقيقي بعد أن فهمناه دهرا فقرا ورضا بالقليل وإيثارا للعزلة في الزوايا على المضاربة في الأسواق تاركين الساحة لكل عابث فاجر أو عدو ماكر ، وهو ما فطن إليه علم الزهد في زمانه سفيان الثوري وأدرك تغير أولويات كل زمن فقال : " كان المال فيما مضى يُكره ، فأما اليوم فهو ترس المؤمن "


  14. #11

    ‌ب. شهوة حب الشهرة

    وله صور خفية وجلية منها :
    حب تصدر المجالس والاستئثار بالكلام وفرض الاستماع على الآخرين ، وصدر أي مجلس هو من المحاريب التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : « اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب» .
    فالمحراب الذي يعظ منه الواعظ مثلا من المذابح إن لم يراع هو العمل بما يقول ، وامتثال ما أمر به ؛ مع أنها قد تكون مراكز التوجيه للخير والهداية إلى الفوز لكنها مع ذلك قد تودي بصاحبها إلى الشر وترمي به في الخسران.

    الانتشاء بالمدح : ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : " المدح هو الذبح " .
    قال المناوي : " وسماه ذبحا لأنه يميت القلب فيخرج من دينه ، وفيه ذبح للممدوح ، فإنه يغره بأحواله ويغريه بالعجب والكبر ، ويرى نفسه أهلا للمدحة سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى " .
    وقد تعلَّم عبد الله بن عمر رضي الله عنه الدرس من أبيه الذي روى الحديث السابق ، فكان لسلامة قلبه يكره المدح وينقبض منه ، ولما جاءه رجل وقال له : يا خير الناس وابن خير الناس ، قال له : " ما أنا بخير الناس ولا أنا ابن خير الناس ، ولكني عبد من عباد الله ، أرجو الله وأخافه ، والله لن تزالوا بالرجل حتى تُهلِكوه " .
    محبة أن يقوم الناس له : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سرَّه أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ بيتاً من النار » .
    ومثل هذا النوع من الناس يعتريه الغضب إن لم يقم له أحد ليجلس مكانه ويشعر بالمهانة وانتقاص القدر ؛ رغم نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك في قوله : « لا يُقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه » .
    وأين هؤلاء من القلوب الحية التي كرهت الشهرة وعافت علو المكانة وتميز المكانة بين العامة. كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام ، وكان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام وانصرف كراهة الشهرة ، وغيرهم وغيرهم لأن كل واحد منهم قد عرف قدر نفسه وحقيقة جهله وضعفه فما غرَّه ثناء الناس عليه. قال المروزي للإمام أحمد : " إني أرجو أن يكون يُدعى لك في الأمصار فقال : يا أبا بكر!! إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس " .
    لذا ما تفاخروا مرة واحدة في حياتهم ولا غالوا في أثمانهم حتى لقاء ربهم بل تواضعوا ، والمواقف لا تزال تُروى للإمام أحمد. قال عنه يحيى بن معين : " ما رأيت مثل أحمد!! صحبناه خمسين سنة فما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير " .

    ومما يرتبط ارتباطا وثيقا بشهوة حب الشهرة :

    ‌ج. شهوة حب الرئاسة

    وهي شهوة مرتبطة ارتباطا وثيقا بحب الظهور ، وهي التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : « إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعة وبئس الفاطمة » .
    وقوله : « نعم المرضعة » وذلك أولها لأن معها المال والجاه والسلطة ، وقوله : « بئس الفاطمة » أي : آخرها لأن معه القتل والعزل في الدنيا والحسرة والتبعات يوم القيامة ، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم عواقب الرئاسة ومراحلها الثلاث في قوله : « إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي : أولها ملامة ، وثانيها ندامة ، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل » .
    والرئاسة التي نقصدها هنا ليست دنيوية فحسب بل قد تكون دينية كذلك لمن يتبوأ مراكز الإرشاد والتوجيه والنصح والتربية ، ولو كان يدفع إلى التطلع للرئاسة : القيام بالواجب وتحمل التبعة الثقيلة في وقت لا يسد الثغرة فيه من هو أفضل بذلا وعملا لكان الأمر محمودا ، أما إذا كان الدافع : رغبة جامحة في الزعامة ونفرة من قبول التوجيه من غيره واستئثار بمركز الأمر والنهي ؛ فيا خطورة ما أصاب من مرض.
    وقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام من ابتلي بهذا المرض وردَّه ولم يقبله ، واسمعوا ما رواه الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من يخالفك ؛ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال : « الأمر لله يضعه حيث يشاء ». قال : فقال له : " أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بك " .
    بل قال صلى الله عليه وسلم لرجلين سألاه الإمارة : « إنا لا نولّي هذا مَنْ سأله ، ولا من حرص عليه » .
    يسن بذلك أحد قوانين الإدارة الإيمانية ويميِّزها عن إدارة اليوم الحديثة ، ويمدح صلى الله عليه وسلم هذا الصنف من الدعاة ، الذين ليس يعنيهم ويشغل فكرهم سوى رضا الله سبحانه وتعالى بارزين كانوا أو مستترين ، في المقدمة أو في المؤخِّرة ، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : « طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يُشفَّع » .
    وتأمل أنه ذكر هنا الساقة والحراسة وكلاهما ليس من أماكن الصدارة أو مراكز القيادة ، فكأنه أراد ترسيخ معنى الجندية ومعالجة حب الرئاسة في قلوب السامعين معالجة جذرية ، فلا يذكر الرئاسة ولو بكلمة لتغيب حتى حروفها عن عينك وتتوارى عن قلبك.

    يا ذئاب!!
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ». والذئبان الجائعان هما : الحرص على المال والحرص على الشرف ، وإذا أُرسِلت الذئب في الغنم فماذا تفعل؟! فكذلك يفعل الحرص على المال والحرص على الجاه والشرف في الدين ، إنها تلتهم دين المرء وتفترس إيمانه.
    قال ابن رجب : " فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم ، بل إما أن يكون مساويا وإما أكثر ، يشير أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل ، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل ، فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا " .
    وحب الرئاسة والسعي لها شهوة خفية في النفس ، وكثير من الناس قد يزهد في الطعام والشراب والثياب لكن الزهد في الرئاسة عنده نجم سماوي لا يُدرك. قال سفيان الثوري رحمه الله : " ما رأيت زهدا في شيء أقل منه في الرئاسة ، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب فإن نوزع الرئاسة تحامى عليها وعادى " ، وقال يوسف بن أسباط : " الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا " ، ولذلك كان السلف رحمهم الله يحذرون من يحبون منها ، فقد كتب سفيان إلى صاحبه عباد بن عباد رسالة فيها : " إياك وحب الرئاسة ، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة ، فتفقَّد نفسك واعمل بنية ".
    واتهم أيوب السختياني كل محب للرئاسة بالكذب فقال : " ما صدق عبد قط فأحب الشهرة " ، ونفى عنه التقوى بشر بن الحارث فقال : " ما اتقى الله من أحب الشهرة " ، ووصفه بعدم الفلاح يحيى بن معاذ حين قال : " لا يفلح من شممت منه رائحة الرياسة ".
    وما أحسن وصف شدّاد بن أوس رضي الله عنه لحب الرئاسة بالشهوة الخفية حين قال محذرا : يا بقايا العرب ... إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء ، والشهوة الخفية. قيل لأبي داود السجستاني : ما الشهوة الخفية؟ قال : حب الرئاسة.
    قال ابن تيمية معقبا : " فهي خفية ، تخفى عن الناس ، وكثيرا ما تخفى على صاحبها " .

    أمارة حب الإمارة
    لكنها وإن كانت خفية ، ومهما توارت وأتقنت فن التستر والهرب ، فقد أذن الله لنا أن نفضحها عن طريق علاماتها حتى لا يعود لمبتلى عذر في ترك التداوي وهجر التسامي ، ومن العلامات :
    ما ذكره الفضيل بن عياض : " ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى ، وتتبع عيوب الناس ، وكره أن يُذكر أحد بخير " .
    فمن علاماتها إذن حب ذكر الغير بالنقائص والعيوب ، وكراهة أن يُذكر أحد عنده بخير ، بل وانتقاص الآخرين ليرفع نفسه ، فلا يدل على من هو أفضل منه في الدين أو العلم ، بل ويحجب فضائل الآخرين ويكتم أخبارهم خشية أن يستدل الناس عليهم فيتركوه ويذهبوا إلى غيره ، أو يقارنوا بينه وبين من هو خير منه فينفضوا عنه.
    الحسرة إذا زالت أو سُلِبت منه الرئاسة ، وتأمل لو أن عالما تصدَّر مجلس علم مثلا ، فالتف الناس حوله ، ثم جاء من هو أعلم منه فقدَّمه الناس عليه وانقطعوا إليه ، فهل يفرح هذا العالم أو يحزن؟ هل يفرح لأنه قد جاء من هو أعلم منه يحمل عنه المسئولية ويرفع عنه التبعة ويفيد الناس أكثر منه ؛ أم يحزن ويغتم لأنه قد جاء من خطف منه الأضواء وصيحات الإعجاب؟! بهذا تفضح قلبك أيها الداعية إذا خشيت مرضه وأردت شفاءه. قال ابن الجوزي :
    " وقد يكون الواعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان فيحب أن يُعظَّم ، وعلامته : أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ، ولو صحَّ قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق " .
    وقال كذلك :
    " ومنهم من يفرح بكثرة الأتباع ، ويلبِّس عليه إبليس بأن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم ، وإنما مراده كثرة الأصحاب " .
    إنها مجالس السوء وإن كان ظاهرها الخير ، وأماكن الفتنة وإن رُفِعت عليها رايات الهدى ، ووسائل الهلاك وإن صُنِعت للنجاة!!
    كم شارب عسلا فيه منِيته ** وكم تقلَّد سيفا من به ذُبِحا
    وتستطيع أخي الداعية أن تُجري اختبارا واحدا يكشف لك حقيقة مجالسك على الفور ، وذلك على طريقة ابتكرها عبد الرحمن بن مهدي وهي كما يلي :
    عن عبد الرحمن بن مهدي قال : " كنتُ أجلس يوم الجمعة فإذا كثر الناس فرحت ، وإذا قلوا حزنت ، فسألت بشر بن منصور فقال : هذا مجلس سوء فلا تعُد إليه ، فما عدتُ إليه " .
    حسرة قلبه إذا منع من الظهور وفاتته فرصة إبداء إمكاناته واستعراض قدراته ، وبالحلو تُعرف المرارة ، وبالضد تتميز الأشياء لذا فاسمعوا ما فعل المحدِّث الرباني شيخ نيسابور أبي عمرو إسماعيل بن نجيد فيما قصَّه الإمام الذهبي :
    " ومن محاسنه أن شيخه الزاهد أبا عثمان الحيري طلب في مجلسه مالا لبعض الثغور فتأخَّر ، فتألم وبكى على رؤوس الناس ، فجاءه ابن نجيد بألفي درهم فدعا له ، ثم إنه نوَّه به ، وقال : قد رجوت لأبي عمرو بما فعل ، فإنه قد ناب عن الجماعة ، وحمل كذا وكذا ، فقام ابن نجيد وقال : لكن إنما حملت من مال أمي وهي كارهة فينبغي أن ترده لترضى ، فأمر أبو عثمان بالكيس فرد إليه ، فلما جنّ الليل جاء بالكيس والتمس من الشيخ ستر ذلك ، فبكى وكان بعد ذلك يقول : أنا أخشى من همة أبي عمرو " .
    إضفاء هالات الأهمية الزائفة كادعاء المواعيد الكاذبة والانشغالات التافهة ، ليوقع في روع الناس علو قدره وارتفاع منزلته وتهافت الناس عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور » .
    قال ابن حجر : " المتشبِّع أي المتشبِّه بالشبعان وليس به شبع ، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها ، وشُبِّه بلابس ثوبي زور ؛ أي ذي زور ، وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياء ، وأضاف الثوبين إليه لأنهما كالملبوسين ، وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر كما قيل : إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا ، فالاشارة بالإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه ، ويحتمل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان : فقدان ما يتشبع به ، وإظهار الباطل " .
    عدم المشاركة بفاعلية عندما يكون مرؤوسا ، بل والتهرب من التكاليف حين لا يكون هناك فرصة للبروز ، واشتعال قلبه حماسة ونشاطا عندما يكون رأس الأمر وقائده.
    كثرة نقده لغيره بسبب وبغير سبب ، ومحاولة التقليل من أهمية مقترحات الغير ومبادراتهم مع عدم تقديم البديل ، والعمل على إخفاق ما لم يشارك فيه.
    الإصرار على رأيه وصعوبة التنازل عنه ، وإن ظهرت أدلة بطلانه ورجحان غيره.

    سبب هذا المرض

    السبب الرئيس : عدم تقدير عواقب التقصير في الآخرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :« ما من رجلٍ يلي أمر عشرةٍ فما فوق ذلك، إلا أتى الله مغلولاً يده إلى عنقه ، فكه بره أو أوثقه إثمه ، أولها ملامة ، وأوسطها ندامة ، وآخرها خزي يوم القيامة » .
    ألا فانتبه يا طالب العلم وأنت تعلِّم الناشئة ، وانتبه أيها المربي حين تربِّي من حولك ، وتعلَّم من سعد بن أبي وقاص صلى الله عليه وسلم ، وكيف حثَّنا على الزهد في الرئاسة بلسان حاله مما أغنانا عن آلاف الخطب والصفحات ، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كان سعد في إبلٍ له وغنم فأتاه ابنه عمر بن سعد ، فلما رآه قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فلما أتاه قال : يا أبت! أرضيتَ أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة ؟! فضرب سعدٌ صدر عمر وقال : اسكت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي » .
    وتأمَّل أيضا كيف كان هروب العلماء من مسئولية القضاء ، والقضاء منصب وسلطة ومكانة وأبهة ، وقد كان القاضي من أعظم الناس مكانة في زمانه ، وكلمته مسموعة لا ترد ؛ ومع ذلك كان الصالحون يهربون من القضاء ويُضربون عنه ولا يتولونه ، بل ويسجنون ولا يرضونه ، مع أنهم أهل له ، وذلك لخوفهم من تبعات الأمر ، وكيف لا وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ينذر : « قاضيان في النار ، وقاض في الجنة » .
    وكيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم يحذِّر : « من أتى أبواب السلطان افتُتِن » ، وكثرة من قضاة اليوم والعلماء على باب السلطان وقوف ، وعلى رضاه حريصون ، ولا يحسون بالكارثة!!

    التوازن المفقود
    التوازن المنشود بين كراهية الشهرة ووجوب قيادة جموع الأمة ، فإننا نريد لجموع الصالحين أن تبرز في الوقت الذي توارت فيه الكفايات وبرزت فيه الرويبضات ، وأن تفخر بعملها الصالح قائلة : هلم إلينا أيها الناس ، وذلك في الوقت الذي تبارت رموز الشر في الدعوة إلى باطلها ، وتنافست في طمس فطرة الناس ببث سمومها وشرورها ، لذا كان لابد للطيِّب أن يدافع الخبيث ويزاحمه حتى يبث الخير إلى محيط الناس الملوَّث ، وعلى كل واحد أن يتفرَّس في نفسه اليوم ، ويرى هل فيه من علامات حب الرئاسة شيء ، ويعيد تقييم نفسه باستمرار وعلى مرور الأشهر والأعوام ، فإن البداية قد تكون صحيحة ويتسلل الخطأ بعد ذلك ، والنية قد تبدأ خالصة حتى تتسرَّب إليها جرثومة رياء ، لذا وجب التنبه والمراقبة.


  15.    Spons.


  16. #12

    .
    ‌د. شهوة النساء

    ويسأل سائل : لماذا نتكلم عن شهوة الرجال نحو النساء ولا نتكلم عن شهوة النساء نحو الرجال؟! إن كثيرا ما يتساءلون : لماذا تكلم القرآن عن الحور العين في الجنة ولم يتكلم عن مثيل ذلك للمؤمنات؟! والجواب أن الحب عند الرجل يتمحور حول الأفعال ، فهو عنده غريزة تتبعها عاطفة ، بينما الحب عند المرأة عاطفة مقدمة على الغريزة ، وحين يمتزج الحب بالشهوة عند الرجال ؛ فهو عند النساء : كلمات وثناء وغزل ، لذا وجدنا الشعر عربيا وغربيا قديما وحديثا يحفل بغزل الرجال للنساء لا غزل النساء للرجال ، فالرجل يعلن عن الرغبة ويطلب ، والمرأة سلاحها التمنع والدلال.
    من هنا جاء تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » .
    وقد سبق أن أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان " ، إشارة إلى الهوى والميل الطبيعي الذي جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء ، والالتذاذ بالنظر إليهن ، والحديث معهن ، وسماع أخبارهن ، وكل ما يتعلق بهن ، ولا غرو ، فالمرأة أعظم فتن إبليس وأشد محنه وأيسر طرقه وأخفى حيله ، ولذا يتبعها ويلازمها ويزيِّنها ويُحلِّيها في عيون الرجال. قال مجاهد : " إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيَّنها لمن ينظر ، فإذا أدبرت جلس على عجزها فزيَّنها لمن ينظر " .
    وعدَّها الحسن بن صالح نصف جيش الشيطان المرابط على ثغر القلب فقال : " سمعت أن الشيطان قال للمرأة : أنت نصف جندي ، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطأ ، وأنت موضع سري ، وأنت رسولي في حاجتي " .
    ويُشخِّص ابن الجوزي مرضا عضالا يُصاب به مطلق بصره - وما أكثر جراحاته – فيقول : " يُعرِض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية ، وقد تكون الزوجة أحسن ، والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تَبِن له ، وقد تكشفها المخالطة ، ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة ، وكشفت له المخالطة ما كان مستورا ملَّ وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له " .
    ثم يكمل وصيته أثناء صيده لإحدى خواطره فيقول : " ليعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام كما يريد ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذيْهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضوا فيْهِ ﴾ [ البقرة : 267 ] ، ما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز وجل ﴿ وَلَهُمْ فيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ [ البقرة : 25 ] " .
    فاسمُ بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
    وحدِّث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح
    واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح


    الطنطاوي يصيح
    قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :
    " لو أتيت مال قارون وجسد هرقل وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل وكل نوع من أنواع الجمال هل تظن أنك تكتفي؟ لا .. أقولها بالصوت العالي : لا .. أكتبها بالقلم العريض ، ولكن واحدة بالحلال تكفيك ، ولا تطلبوا مني الدليل فحيثما تلفتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائما ظاهرا مرئيا " .
    لكن ما الذي يزيِّن الحرام للإنسان ويبغِّض له الحلال؟! وما الذي يجعله تهفو نفسه للغريبة عنه وتزهد في سكنه ومودته وشريكة عمره؟! إنه الرغبة في التغيير والقضاء على الملل ، إنه التطلع إلى كل جديد ، فالمرء توَّاق إلى ما لم ينل ، ويجيب الطنطاوي ثانية قائلا :
    " فالنساء مختلفات ، ولكن طعم المتعة بهن واحد لا يختلف ، وما فرق بين تلك لراقصة وبين امرأتك إلا أن الأولى تأتيك على جوعك بالرغيف قد لفته بمنديل الحرير ، ووضعت المنديل في شملة ، وألقت الشملة في صندوق من الفضة المذهبة ، وجعلت حول الصندوق الورق الشفاف ، فأنت كلما رفعت حجابا من هذه الحجب اشتد جوعك وشوقك إلى ما وراءها ، فإذا بلغت الرغيف حسبته قُطِف من قمح الجنة ، ثم طحنته الملائكة ، ثم عجنته بأيديهن الحور العين ، وأنت لا تأكل المنديل ولا الشملة ولا الصندوق ، إنما تأكل الرغيف ، وأنت لا تريد هذه الثياب ولا هذه الأنوار ، إنما تريد المرأة ، ولعل امرأتك أبهى منها وأجمل " .

    السجود للصنم
    وإليك نماذج من هؤلاء المرضى الذين استسلموا لمرضهم ، فلم يحاولوا الاستشفاء بطبيب بارع أو مشفى جامع حتي غزاها المرض فشوَّه ملامحها ومسخ فطرتها ووصل إلى النخاع وقطع عليها خط الرجعة. قيل لأحدهم : جاهد في سبيل الله ، فقال :
    يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... أي جهاد غيرهن أريد
    لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد

    وأعلن أخ له في الغواية :
    ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب عليَّ ذنوب
    هذا حال اللسان ، أما حال القلب فأسوأ :
    محا حبها حب الأولى كُنَّ قبلها ... وحَلَّ مكـانا لم يكن حَلّ من قبل
    أما حب الله والشوق إليه ، فلم يعد له في القلب لا أقول موضع قدم بل موضع إبرة!! بل وصل حالهم إلى وصف مريع أفاض فيه ابن القيِّم ليخوِّف كل عاقل من عواقب المرض ويلوِّح أمام ناظريه براية الخطر ، فقال في شفقة الطبيب يبيِّن خطورة المرض وفداحة الإصابة :
    " فلو خُيِّر بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه ، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه ، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه ، يُسخِط ربه بمرضاة معشوقه ، ويقدِّم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه ، فإن فضل من وقته ، وكان عنده قليل من الإيمان ، صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه ، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى ، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس ، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة وخسيس ، فلمعشوقه لبه وقلبه ، وهمه ووقته ، وخالص ماله ، وربه على الفضلة ، قد اتخذه وراءه ظهريا ، وصار لذكره نسيا ، إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه ، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق ، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها ، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ، ناصحا له فيها ، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها " .
    لذا يعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة ، وعلى يد من؟! على يد من لا يخطر له على بال ومن بذل في سبيله كل غال : على يد محبوبه الذي أحبه من دون الله. قال ابن القيِّم :
    " وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يُدفع أن من أحب شيئا سواه عُذِّب به ولا بد ، وأن من خاف غيره سُلِّط عليه ، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤما عليه ، ومن آثر غيره عليه لم يبارك فيه ، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بد " .
    عذابات فوق عذابات ، وآلام وحسرات في الدنيا وفي القبر وفي النار!! قال ابن القيم :
    " فكل من أحب شيئا غير الله عُذِّب به ثلاث مرات في هذه الدار ، فهو يُعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل ، فاذا حصل عُذِّب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته ، فإذا سُلِبه اشتد عذابه عليه ، فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.
    وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يُرجى عوده ، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده ، وألم الحجاب عن الله ، وألم الحسرة التي تقطع الاكباد ، فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم ، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها ، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر
    " .
    ولو فكَّر العاشق المسكين في مصير من عشقه وخاتمة من أحب لتاب من فوره وزهد في وصله كما قال المتنبي :
    لو فكَّر العاشق في منتهى ... حُسن الذي يسبيه لم يسبه
    وأكَّد آخر نفس المعنى فقال :
    وان سبتك الدمى فانظر بفكرك ما ... تغدو اليه الدمى في ظلمة القبر
    لكن أين حال هؤلاء من أحياء القلوب وأرباب العقول الذين يتدبرون ويعتبرون ، ويقرؤون ما وراء الأحداث فيرشدون ، ومن سادات هؤلاء ابن الجوزي الذي علَّمنا في إحدى كنوزه الرائقة :
    " تأملتُ حالة أزعجتني ، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا تحبه ، وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه ، وقد يتقرَّب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه والسلطان لا يؤثره ، فيبقى متحيِّرا يقول : ما حيلتي؟! فخفتُ أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه ، أتقرَّب إليه وهو لا يريدني ، وربما يكون قد كتبني شقيا في الأزل " .

    هـ. شهوة حب الأهل والولد :

    وقد ورد التحذير من هذه الشهوة في أكثر من آية من كتاب الله عز وجل ، ولعل أخطرها وأعظمها وقعا على القلب قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [ التغابن : 14-15 ]
    قال الإمام البغوي عند تفسير هذه الآية : " وقال عطاء بن يسار : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي : كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه ، وقالوا : إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم ، فأنزل الله : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ بحملهم إياكم على ترك الطاعة ، فاحذروهم أن تقبلوا منهم ".
    وتأمَّلوا : لما ذكر الله العداوة أدخل ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض ، فقال : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ ، لأن ليس كل الأهل أعداء ، ولم يذكر ﴿ مِنْ ﴾ في قوله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ لأنه لا تخلو الزوجة والولد من الفتنة واشتغال القلب بها.
    وقد تآخت هذه الآية مع حديث بريدة رضي الله عنه تأكيدا لمعناها وشرحا لفحواها حيث قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر ، فحملها ، فوضعها بين يديه ، ثم قال : « صدق الله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » .
    ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية التغابن هذه فيقول :
    " ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي ، وأبعد مدى وأطول أمدا ؛ فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معا : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .
    والتنبيه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوا ، إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية ؛ ويمس وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب العاطفي ، وفي ملابسات الحياة سواء ، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله ، كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان ، اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه ، فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير.
    كما يتعرض هو وأهله للعنت ، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده ، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار ، أو المتاع والمال ، فيكونون عدوا له ؛ لأنهم صدوه عن الخير ، وعوَّقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.
    كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ؛ اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله ، وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات ، وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن ، ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة : التحذير من الله ، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا ، والحذر من تسلل هذه المشاعر ، وضغط هذه المؤثرات ، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد ، وكلمة فتنة تحتمل معنيين :
    الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ، وحاذروا وكونوا أبدا يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا لله ، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!
    والثاني : أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله
    ".
    والمعنى الثاني من كلام سيد يبين أن الأولاد قد يشغلون عن الله وعن ذكره ومرضاته وقربه كما دلَّ على ذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ المنافقون : 9 ].
    وهي آية من سورة المنافقين التي سردت صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم تحذير المؤمنين من الوقوع في ما وقعوا فيه من الانشغال بها عن الآخرة والتفريط في صالح الأعمال ، وأخذ المال من حل وحرمة ؛ تحت ذريعة توفير الراحة والسعادة للأهل والأولاد. قال الزجاج :
    " أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به ؛ وهذا عام في جميع الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده ؛ لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه ، وتناول الحرام لأجله ، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى " .

    ثمرتا الجبن والبخل
    ومن آثار هذه الشهوة إذا طغت وخرجت عن حدود الفطرة السوية : الوقوع في صفتين ذميمتين هما : البخل والجبن ، مما سبق وأن نبَّه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : « إن الولد مبخلة مجبنة » .
    والجبن والخوف يصدان عن القيام بواجب الدعوة والجهاد ؛ وقد يحتمل الداعية الأذى والعنت على نفسه في سبيل الله عز وجل ، لكن القليل هو من يحتمله في أهله وأولاده ؛ خاصة إذا تعرض لما يبعده عنهم كالسجن والتشريد.
    يقول سيد رحمه الله تعالى : " هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ، وهو لا يملك عنهم دفعا وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ".
    وفي هذا فتنة واختبار أيما اختبار ، وهل خُلِقت الشهوات إلا للاختبار؟! ولا يثبت إلا من ثبته الله عز وجل وعصمه بصدق التوكل عليه وحسن الظن به والوثوق برحمته وحفظه.
    لكن ماذا إذا ربَّى الإنسان ولده ليكون عونا له على مشقات الطريق ، وعامل ثبات لا فتنة ، وقوة تقدم لا تقهقر ، كما سبق وفعل إبراهيم بن أبي الليث مع بناته اللاتي صرن أساتذة الرجال في مدارس الثبات ، فقد روى محمد بن سويد الطحان :
    " كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد ، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة ، وأحمد بن حنبل يضرب ، فجعل عاصم يقول : ألا رجل يقوم معي ، فنأتي هذا الرجل ، فنكلمه؟ قال : فما يجيبه أحد ، ثم قال ابن أبي الليث : أنا أقوم معك يا أبا الحسين ، فقال : يا غلام : خُفِّي. فقال ابن أبي الليث : يا أبا الحسين .. أبلغُ إلى بناتي ، فأوصيهم ، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط ، ثم جاء ، فقال : إني ذهبت إليهن ، فبكين. قال : وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط : يا أبانا! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل ، فضربه على أن يقول : القرآن مخلوق ، فاتق الله ، ولا تُجِبه ، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت!!
    " .
    .



  •   

Similar Threads

  1. Replies: 0
    Last Post: 05-04-2013, 11:45 PM
  2. الانقلاب .. د. خالد ابو شادى
    By Mohamed in forum التربية والتنمية البشرية
    Replies: 0
    Last Post: 01-03-2012, 04:50 AM
  3. Replies: 0
    Last Post: 08-07-2011, 12:39 PM
  4. رحلة للسعادة - برنامج د/ عمرو خالد في رمضان
    By Mohamed in forum التربية والتنمية البشرية
    Replies: 0
    Last Post: 08-04-2010, 12:51 AM

Tags for this Thread

Bookmarks

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •