Page 2 of 2 FirstFirst 1 2
Results 13 to 17 of 17
  1. #13

    الباب الثالث : كيفية تناول الدواء على عتبة هذا الباب


    الباب الثالث : كيفية تناول الدواء على عتبة هذا الباب :

    هي خمسة عشر قرصا سهلة البلع عظيمة النفع تُمِدُّ القلب بالقوة وتُعِدُّه للعلاج قبل تلقي جرعات الدواء ودورات الاستشفاء ، سمِّها إن شئت مضاعِفات القوة العامة ، وهي غير مضاعفات القوة الخاصة بكل جرعة والتي سأتعرَّض لها عند التحدُّث عن جرعات الدواء ، وإياك إياك أن تبخل على نفسك بها ، فإن أشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة ، فيمرض أشد المرض ولا يتداوى ، ولو أن مريضا تناول الدواء دون أن يأخذ وصايا الطبيب في الاعتبار لما أفلح دواؤه ولا تم شفاؤه ، والآن مع أول الوصايا :

    1. لا تردَّ الدواء أو تتهاون فيه :

    قال ابن القيم :
    " حذارِ حذارِ من أمرين لهما عواقب سوء :
    أحدهما : رد الحق لمخالفته هواك ، فإنك تعاقب بتقليب القلب ، وردِّ ما يَرِدُ عليك من الحق رأسا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك. قال تعالى : ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [ الأنعام : 110 ] ، فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.
    والثاني : التهاون بالأمر إذا حضر وقته ، فإنك إن تهاونت به ثبَّطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى : ﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ [ التوبة : 83 ] ، فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة
    " .

    وهذا ما أبكى أبو الدرداء رضي الله عنه عند موته وهو أشهر من عُرِف عنه التفكر وطول التدبر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث ظلَّت آية واحدة عالقة في ذهنه لا تفارقه لحظة حتى عند موته ، وكان مما هداه إليه تدبره : أن هذه الآية هي من أهم ما قرأ ؛ فما تذكر غيرها عند الوفاة ، فعن أم الدرداء أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول : " من يعمل لمثل يومي هذا؟! من يعمل لمثل ساعتي هذه؟! من يعمل لمثل مضجعي هذا؟! ثم يقول : ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [ الأنعام : 110 ] " .

    وكأنه رضي الله عنه خشي أن يكون قد قصَّر في قبول الحق من نبينا صلى الله عليه وسلم حين عرضه عليه أول مرة ، وظن أنه لم يأخذه كما ينبغي بأقصى قوة وعزم وبأسرع استجابة من أول لحظة ، فعاتب نفسه على ذلك حتى علا النحيب قبل الرحيل.

    وردُّ الدواء يتمثل في عدم تناوله عمدا أو سهوا ، أو تناوله مع عدم المواظبة عليه ، أو الانصراف إلى غيره والتماس الشفاء في ما عداه ، أو الاستخفاف بمفعوله وأثره ، وأي من هذه الآفات كفيل بأن يحول بينك وبين شفائك واستعادة عافيتك الإيمانية.

    ولعل مما يعينك على تنفيذ هذه الوصية أن تُنزِل نفسك بمنزلة مريض عُرِض عليه أن يتناول الدواء أياما معدودة لينال عافية الدهر ؛ فهو بمنزلة كسير عليه أن يحتمل مرارة الدواء حينا لتحصل له الصحة الأبدية ، أو بمنزلة الغريق الذي أُلقي إليه طوق النجاة فإن تشبَّث به وإلا صار طعام السمك في قاع البحر ، ويدفعك إلى ذلك دفعا ويذكِّرك به كلما نسيت : بكاء أبي الدرداء ساعة احتضاره!!

    أيقن بفاعلية الدواء :عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخي يشتكي بطنه ، فقال صلى الله عليه وسلم : اسقه عسلاً ، ثم أتى الثانية فقال : اسقه عسلاً ، ثم أتى الثالثة فقال : اسقه عسلاً ، ثم أتاه فقال : فعلت ، فقال صلى الله عليه وسلم : « صدق الله وكذب بطن أخيك ... اسقه عسلاً » ، فسقاه فبرأ .

    وإن كان للصحة النفسية دور أساسي في شفاء أي مريض ، فإن الصحة النفسية الإيمانية هنا هي الاطمئنان إلى فاعلية الدواء والتأكد من أنه سيجلب الشفاء ، فكلما نزل الدواء على قلب أكثر يقينا وأكمل ثقة كلما كان أثره أعظم والشفاء أقرب ، وكلما امتلأ القلب بالشك والرِّيَب كان نزول الدواء عليه كنزول الماء بأرض قيعان لا تُمسك الماء ولا تُنبت الكلأ.

    لكن لماذا لا نوقن والله سبحانه هو الذي أرشدنا إلى الدواء وحثَّنا عليه؟! وكيف لا نوقن والدواء جرَّبه ملايين الصالحين من قبلنا فوجدوا أعظم الأثر ووصلوا إلى ما ينشدون؟! وحتى متى لا نوقن والوعد وعد رسول الله وهل أوفى من رسول الله؟! والبشارة بالشفاء جاءتنا على لسانه ولا أصدق؟! فوالله لو أيقنتم بشفائكم لاستكثرتم من دوائكم ، ولو انتبهتم من رقادكم لوصلتم إلى مرادكم ، فأعطوا أنفسكم من دوائها ما ستقرؤوه يعطِكم ربكم من شفائه ما طلبتموه ، وإلا تجرَّعتم جرعات الندم على موائد الأسف ، حين ترون أثر الدواء في الدنيا ومفعوله في الآخرة ، وتندمون ندامة الكُسَعِيِّ حين رأت عيناه ما صنعت يداه.

    داوم تصل :

    طالب الشفاء اليوم لا ينال مراده بعبادة يوم وليلة ، بل لا بد من مداومة ، وقد تبين في حديث العسل أن المريض لم يجد أثر الدواء حتى تناول ثلاث جرعات ، وليس ذلك في أمراض الأبدان فحسب بل في أمراض القلوب كذلك ، فالنفس لا تقبل أثر الطاعة ولا تتشرب فائدتها إلا بعد مدة ومواظبة عليها ، ذلك أن عقبة البدء كؤود ، يصعِّبها الشيطان عليك ، ويضع أمامك الحواجز والمثبطات ، لكن مع البدء وبداية تسلل الإيمان إلى القلب ، وانتشار حلاوته في الروح ، تلين القلوب للطاعة ويستنير الصدر للإنابة ، وصدق ابن الجوزي حين قال : " إذا استقام للجواد الشوط لم يُحوِج راكبه إلى السوط " .

    وضرب لنا أبو حامد الغزالي مثلا ليقنع كل يائس من الشفاء بجدوى المحاولة وحتمية الشفاء إذا جدَّ في السعي ، وقلَّد الصالحين الذين جاهدوا ( وفعلوا بها ما يُفعل بالبازي إذا قُصِد تأديبه ونقله من التوثُّب والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب ، فإنه يُحبس أولا في بيت مظلم ، وتُخاط عيناه حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جو الهواء ، وينسى ما قد كان ألِفه من طبع الاسترسال ، ثم يرفق باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا إذا دعاه أجابه ، ومهما سمع صوته رجع إليه ، فكذلك النفس لا تألف ربها ، ولا تأنس بذكره إلا إذا فُطِمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أولا ؛ ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ، ثم عُوِّدت الثناء والذكر والدعاء ثانيا في الخلوة حتى يغلب عليها الأنس بذكر الله عز وجل عوضا عن الأنس بالدنيا وسائر الشهوات ، وذلك يثقل على المريد في البداية ، ثم يتنعم به في النهاية ؛ كالصبي يفطم عن الثدي ، وهو شديد عليه إذا كان لا يصبر عنه ساعة ، فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ، ويشتد نفوره عن الطعام الذي يُقدَّم إليه بدلا عن اللبن ، ولكنه إذا مُنِع اللبن رأسا يوما فيوما وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفا ، ثم يصير له طبعا ، فلو رُدَّ بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه ، فيهجر الثدي ، ويعاف اللبن ، ويألف الطعام ، وكذلك الدابة في الابتداء : تنفر عن السَّرج واللجام والركوب ؛ فتُحمل على ذلك قهرا ، وتُمنَع عن السرج الذي ألفته بالسلاسل والقيود أولا ، ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها ، فتقف فيه من غير قيد ، فكذلك تُؤدَّب النفس كما تؤدَّب الطير والدواب ) .

    إن النفس إذا وجدت لذة العبادة ، وأحست بأثر جرعات الدواء بدد فيها نور اليقين ظلام المادة ، وأطفأ برد العفو نار الذنب ، كالرضيع الذي يستغني عن اللبن بألوان الأطعمة المختلفة ليزهد بعدها في ثدي أمه ، والمعنى أنك كلما تناولت جرعة دواء زادت سرعة سيرك ، وانتفض قلبك وكأنما نشط من عقال ؛ ذلك أن المسافر إذا عاين البلد التي يريد دخولها أسرع واستحث دابته على السير بغير ما كانت عليه عند بدايات سفره والهدف عنه غائب ، وكذلك القلب إذا ذاق حلاوة الإيمان ووجد أثر العافية صار أقوى عزما وأشد قوة لقربه من غايته وتلمح قلبه لأنوار ما سعى إليه.

    4. لحظة التأخير القاتلة :

    تأخير المحاولة ليس في صالحك ، وتأجيل جرعة الدواء عن ميعادها يزيد المرض رسوخا ، والمقاومة انهيارا ، والنفس إلفا لما يضرها ، وبغضا لما ينفعها ، لأن التأخير يمنح الفرصة للسم بأن يسري إلى القلب ويتمكن منه ، والقلب منبع الحياة ، فينشأ عن ذلك أبشع الأثر ، وبتأخِّرك عن تناول الجرعة المقررة مرة من بعد مرة ستصل حتما إلى الجرعة الحرجة التي لو لم تتناولها لمات قلبك في الحال ، ولا عزاء في القلوب الغافلة!!

    أخي .. التسويف سم الأعمال وعدو الكمال ، ومن ترك المبادرة اليوم وارتمى في أحضان (سوف) وقع فريسة لأسدين عظيمين : أحدهما تراكم ظلمة المعصية على قلبه حتى تصير رينا وطبعا وأقفالا يستحيل معها الشفاء ، والثاني أن يباغته الموت فتضيع فرصة للنجاة ، لذا صاح فيك الصاحب شرف الدين الأنصاري :
    دع التسويفَ وامضِ إِلى المعالي ... بعزمٍ من ذبابِ السيفِ أمضى
    وخذْ في الجدِّ وارفضْ من أباهُ ... من الأهلين والإِخوانِ رَفْضا
    وأصغِ لما أشرتُ به فإِني ... صحبتُكَ منه كأسَ النصحِ مَحْضا


    أخي المريض :
    لا تشغل نفسك كثيرا بسؤال : كيف حال قلبي الآن ، وليكن همك همك الأول : هل بدأت رحلة العلاج أم ليس بعد ، فإن هذا الطريق من مشى فيه خطوة تلقَّفته أيادي الرحمة الإلهية والعناية الربانية لتوصله إلى ألذ نهاية وفي سرعة البرق.

    يا من اشتكى قلبه ..
    أوجع الألم حرقة الندم ، ومن راقه طعم الأماني فاته أسمى المعالي ، ومن أقلقه خوف الهلاك هجَرَ أرجو وسوف وعسى ، ومن أيقن أن الأماني تُنقِص العقل عافت نفسه كل تأخير ؛ وعلم أن المرء كلما كبر صعبت عليه المحاولة ، ذلك أنه ليس أشد من فطام الكبير ، ومن العناء رياضة الهَرِم.

    أخي طالب الشفاء :
    " إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس " .
    هكذا قالها ابن عطاء وصدق ، فإن كنت تظن أن الشيطان سيعطيك مهلة للتوبة ، أو سيمنحك الفرصة لتلتقط أنفاسك ، أو سيتركك فارغا لتراجع نفسك وتتعافى ، فاعلم أنك واهم ، فالعجل العجل .. والبدار البدار ، واذكر أن الكسل آفة أعجز المرضى ، وما بسقت فروع ندم إلا من بذرة كسل ، ومن ملَّ الحركة حُرِم البركة ، ومن أضاع الفرصة تجرَّع الغُصة ، فخاطب نفسك بقولك : إن كان لك في الشفاء نصيب فالآن وإلا فهيهات ، فإن من أجَّل أمره إلى الغد لم يفلح إلى الأبد ، وفي المقابل : ما حُرِم مبادِر إلا فى النادر ، فهيا!! الآن .. وفي التو واللحظة .. ليس الأمر شاقا .. ووالله ما هي إلا سفرة قلب وأنت على الفراش .. دون أن تفارق مكانك .. كل المطلوب منك أن تُشهِد ربك على إرادة الشفاء ، وأن تبرم العقد معه على شراء العفو ، وتقطع تذاكر الرجوع إليه ، فإن فعلت .. فاجعل دون الوفاء بعهدك الموت!!
    وسر عن قريب واستجب واجتنب (غدا) * وشمِّر عن الساق اجتهادا بنهضةِ
    وكن صارما كالسيف فالموت في (عسى) * وإياك (مهلا) فهي أخطر علــةِ
    وجُـذَّ بسـيف العزم (سوف) فإن تجُـدْ * تجِدْ خيرا فالنفس إن جُدْتَ جَدَّتِ


    كم عمرك الآن؟!
    وفي ضوء نشاطك أو كسلك ، ومبادرتك أو تقاعسك ، وانتباهتك أو غفلتك تستطيع أن تحدِّد عمرك الحقيقي اليوم ، وأعني بذلك عمرك المحسوب بميزان الإيمان لا بذاكرة الأيام ، وبحساب الكرام البررة لا بسجلات موظَّف الحي الذي تسكنه ، وهو ما قال به ابن القيم :
    " فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره ، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته وإن عاش عيش البهائم ، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة ، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة ، فموت هذا خير له من حياته ، وإذا كان العبد - وهو في الصلاة - ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله " .
    تزوّجت البطالة بالتواني * فأولدها غلاما مع غلامة
    فأما الابن سمَّـوْه بفقـر * وأما البنت سمَّوْها ندامة


    5. اختر دواءك بنفسك :

    هذه نصيحة أهداها إليك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأمسكها بكلتي يديك وعضَّ عليها بناجزيك ، فقد كان ابن مسعود قليل الصوم ، وكان يقول ‏:‏ " إذا صمت ضعفت عن الصلاة ؛ وأنا أختار الصلاة على الصوم " ‏‏ ، ‏وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن ، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة ، وكل إنسان أعلم بحاله وما يُصلحه.

    كل منا مريض في جانب من الجوانب ، وكلنا يحتاج إلى الدواء ، لكن نوع الدواء الشافي يختلف من مريض إلى آخر ، لأن النفوس تتباين وتختلف اختلافا شاسعا ، وبالتالي فليس كل دواء يُحدِث نفس الأثر في جميع النفوس ، قد تشكو قسوة قلبك وتفقد حلاوة القرب منه ، فلا يكون هناك دواء أفضل لحالتك من ركعتين في جوف الليل تغتسل فيهما بالدموع ، وربما كان أفضل دواء في حق غيرك أن يخرج من ماله صدقة لله ، وثالث يُشفى بعبرة في خلوة ، ورابع بمسح رأس يتيم ، وخامس بإطعام مسكين ، وسادس بمجالسة صالح ، وسابع بدعاء خاشع أمام مقبرة أو تشييع ميت وحمل نعش ، وثامن بصيام تطوع وإلا قسا قلبه وساءت حاله ، وكلٌ أدرى بدوائه وأعلم بحاله ، ولابد لك أن تُجرِّب سائر الأدوية لتعرف أيها أنسب لك ، ومداوٍ لحالتك.

    قال ابن القيِّم شارحا : " ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال ، وكلها طرق مرضاته ، فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم ، ولو جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد ، ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ؛ ليسلك كل امرىء إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله " .

    ومن ذلك ما فعله جعفر بن سليمان حين عرف أنسب دواء له وجرَّبه فوجده أجدى ما يكون فانطلق يحكي :
    " كنتُ إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة ، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى " .

    أخي .. إذا أحسست بنفسك تسبح منك نحو ساحل الفتور ، ولمست قلبك فأحسست بقساوته ، وطلبت عينك فوجدتها جافة من قلة الدمع ، وبحثت عن روحك فوجدتها سارحة مع غير الله ؛ فهرول مسرِعا إلى أسرع ما يشفيك وأعظم ما يُحدِث أثره فيك ، لتغرف منه وتشرب فترتوي وتهتدي بإذن باريك.

    .




    See More: خالد أبوشادي- ورد إليَّ روحي

  2. # ADS
    Spons Circuit
    Join Date
    Always
    Posts
    Many
     
  3. #14

    6.
    شدِّد ثم أرخِ :

    البداية القوية تضمن النهاية السعيدة ، والعزمة الفتية تكفل دوام الصحة أعواما مديدة ، فلا بد من عزمة وقرار حاسم ووقفة محورية تعترف فيها ليس فقط أنك مريض ؛ بل وتعلن أنك في أمس الحاجة للدواء ، ويُرى ذلك في شدة انطلاقتك وحماستك ، وبدون هذه البداية تتعثَّر في النهاية بل قبل النهاية ، وصدق الشاعر إذ يقول :
    فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازما * فليقْسُ أحيانا على من يرحم
    قد يقسو الأب على ابنه وهو صغير في سن التنشئة ليقيمه على الجادة ، ويغرس في نفسه منذ الصغر ما يجهل الطفل حكمته في صغره ولن يعرف قيمته إلا عند كبره ، وهذه القسوة هي عين الرحمة ، وهذه الغلظة من ورائها أرق المشاعر ، وإلا شاب الولد على ما شبَّ عليه ، وما شبَّ عليه ليس فيه من الأدب والذوق والأخلاق شيء ، أليس كذلك؟
    فإن قلت : بلى ؛ سألتك : وهل أحد أحق بالرحمة من نفسك التي بين جنبيك؟! وهل أولى بالشفقة من روحك التي هي سر حياتك؟ فما بالك تؤدِّب ولدك وتهمل نفسك؟! وتعِظ غيرك وتنسى قلبك؟!
    ومن التشديد صفاء الابتداء وقوة الانطلاق من أول خطوة. قال أبو عثمان الحيري : " من لم تصح إرادته ابتداء ؛ فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا " .
    ومن التشديد أخذ النفس بالعزم ، وعدم إرخاء الحبل لها والسماح لها بالتفلت والهرب ، وذلك بإلزامها من الطاعات ما يهذِّب سلوكها ويلين طبعها ، والإكثار عليها من النوافل حتى تذل طبيعتها الأمارة بالسوء وتستسلم للخير ، وهذا فعل الله وتشريعه ، ومثال ذلك : أن الله أمر الصحابة بصبر الواحد منهم إلى العشرة ثم خفَّف عنهم ذلك إلى الاثنين ، ومن ذلك أنه حرَّم على المسلمين الأوائل في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع حتى اعتادته النفوس ثم خفَّف عنهم ، ومن ذلك أنه أوجب عليهم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسوله فلما وطَّنوا على أمر الله خفَّفه عنهم ، ومن ذلك أنه فرض قيام الليل عاما كاملة لتعتاده النفس ثم نزلت آية التخفيف بجعله نافلة. قال ابن القيِّم : " وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريبا من هذا ، وقد يفعل بعض الحمَّالين قريبا من هذا فيزيدون على الحمل شيئا لا يحتاجون إليها ، ثم يحط تلك الأشياء فيسهل حمل الباقي عليهم " .
    ومن التشديد قضاء الطاعة إذا فاتتك حتى لا تسترسل النفس في ترك الطاعة والتقصير ، فتعتاده ويصعب عليها المواظبة من بعد.
    ومن التشديد تلقي الأمر للتنفيذ لأن لغة المواعظ وحدها لا تنفع ، بل لا بد من مزجها بصيغة الأمر والنهي ، واستقبال جرعات الشفاء بالامتثال والتسليم ، والحفاوة بها حفاوتك بمن طال غيابه عنك ثم أقبل لزيارتك ، لذا كان على سالك طريق الشفاء اليوم أن يتحلى بجوهرتين ثمينتين هما الجِدُّ والعزم ، ( والفرق بين الجِدِّ والعزم : أن العزم صدق الإرادة واستجماعها ، والجد صدق العمل وبذل الجهد فيه ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [ البقره : 63 ] ، وقال : ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ الأعراف : : 145 ، وقال : ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [ مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور) .
    وقد يكون الأمر صعبا أن تجمع بين الجد والفهم كما جاء في شعر المتنبي :
    وما الجمع بين الماء والنار في يدي * بأصعب من أن أجمع الجِدَّ والفهما
    لكنه يسير على من يسَّره الله عليه ، قريب إلى من سعى إليه.

    الهول المفزع
    ومن هذا التشديد الشافي والتكليف المعافي ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام فاشترط عليَّ : « تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وتصلي الخمس ، وتصوم رمضان ، وتؤدي الزكاة ، وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله ».
    قال : قلت : يا رسول الله .. أما اثنتان فلا أطيقهما!! أما الزكاة فما لي إلا عشر" ذود " - أي : عشر رؤوس من الإبل- هُنَّ رسل أهلي وحمولتهم!! وأما الجهاد فيزعمون أنه من ولى - أي هرب من المعركة- فقد باء بغضب من الله ، فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. قال : فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرَّكها ، ثم قال : « لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ؟! » .
    قال بشير : ثم قلت : يا رسول الله .. أبايعك فبايعني عليهن كلهن .
    والفائدة : لا بد من جهد .. لا بد من عطاء ، ولا بد من بذل .. لا بد من فداء ، إنها شروط النجاة لا شروط سُكنى الفراديس ، وسمات المسلم العامي لا المسلم المجاهد ، إنها أساسيات الدين ومتطلبات العقيدة ونفقات دخول الجنة ، ولو كنت تعيش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وواجهك هذه المواجهة لصدمك رده عليك كما سبق وصدم بشيرا وهزه ، لكنها صدمة لازمة وهزة شافية ووقفة مؤلمة تدفعك إلى مراجعة شريط حياتك لتنظر ما دفعت من ثمن لتشتري الجنة ، فبين جنبات هذا الحديث جرعة هامة من جرعات الدواء ولمحة من لمحات الشفاء.
    أخي .. افهمني!! السلعة واحدة ، والثمن واحد ، وما كان الله ليحابي قوما على حساب آخرين ، فتكون السلعة رخيصة لنا وغالية على غيرنا.

    يرحمك الله!!
    ولأن ديننا دين العزم والقوة ولا مجال فيه للكسل روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول : يرحمك الله ، فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان ؛ فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ». رواه البخاري ، وفي رواية لمسلم : « فإن أحدكم إذا قال : ها .. ضحك الشيطان منه » .
    لما كان التثاؤب مما يُرضي الشيطان ؛ أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفِّرك منه قدر المستطاع ويحذرك من الوقوع فريسة لمثبِّطات العزم ومقدِّماته ، وأما العطاس فعلى العكس من ذلك ؛ هو نعمة ربانية جاءت لتوقظك وتنشِّطك إلى العمل ، لذا كان على العاطس أن يحمد الله ، وكان حقا على من كل سمعه من المسلمين أن يشاركه الفرحة بهذه الصحوة التي جاءته من غير سعي منه أو ترتيب ، فيدعو له بالرحمة.

    همة هرة!!
    رأى الجنيد هرة تسعى وراء فأر ؛ فدخل الفأر جحره وبقيت هي أمام الجحر تترقَّب ، وكل شعرة من جسدها واقفة تعلن النفير ، مستحضرة أعلى درجات العزم والتوثب ، فخطر للجنيد خاطر استحال خاطرة جاء فيها :
    " يا مسكين .. ألم تحصِّل في الهرة درجة هرة؟! وإذا حصَّلت .. أيكون مطلوبك كمطلوبها؟! ".
    أنت طالب جنة وهي طالبة لقمة وهمتها أعلى من همتك!! أنت طالب شفاء وهي طالبة عناء ومع ذلك عزمها أشد وأصدق!! أنت تسعى لباقٍ وهي تسعى لفانٍ ومع هذا تغلبك؟! قطة هجرت الكسل وهبَّت إلى العمل وأنت نائم في بيتك يا بطل؟!

    7. أرخِ ثم شدِّد :

    وهي طريقة التشريع الإلهي أيضا في بعض ملامحه يصفها ابن القيم فيقول :
    " فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له ، وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة ، وكذلك المحرمات ، ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين ؛ فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر ، ومن هذا أنهم أُمروا أولا بالصيام وخُيِّروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية ؛ فلما ألِفوه أُمروا بالصوم عينا ، ومن هذا أنهم أُذِن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم ؛ فلما توطَّنت عليه نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أُمِروا به فرضا ، وحكمة هذا التدريج : التربية على قبول الأحكام والإذعان لها والانقياد لها شيئا فشيئا ، وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاه حمده وحكمته ، فيبتليه بالأخف أولا ثم يرقيه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه " .
    والمشاهد أن كثيرا من المرضى يشاهدون من منَّ الله عليهم بالعافية والسمو في آفاق المتعة الإيمانية ، فيسعون في إدراكهم ، ويحاولون مطاولة النجم في علاه بقفزة واحدة ، وعندما يفشلون يرجعون خائبين تاركين المحاولة ويائسين من الشفاء ، ولو أنهم صعدوا السلَّم درجة درجة ، وبدؤوا بالانتهاء عن ما حرَّم الله ، ثم ساروا إلى الفرائض فأتموها ، وأتبعوا ذلك بالنوافل التي لا تشق عليهم ، لوجدوا في نهاية الطريق ما وجد هؤلاء ، ولكنهم قوم يستعجلون.

    أيها المتعجِّلون!! أنتم لا ترون سوى قمة الهرم ولكنكم لا تلمحون ما بُذِل فيه من عرق وجهد ، أنتم لا تبصرون إلا اللمحة الأخيرة واللقطة المبهجة والمشهد السعيد ، أما المسلسل الطويل من المجاهدة والصراع والمثابرة والكفاح فما خطر ببالكم قط ، لذا طمعتم في نيل العلا برقدة في الفراش والغرق في أماني الحالمين ، وهذا محال في سوق الآخرة.

    ولعل هذا ما قصده كلا من ثابت البناني وعتبة الغلام وهما يرويان قصة كفاحهما المتشابه بل المتطابقة ؛ حتى عبَّر كلاهما عنها بنفس الكلمات تماما ، فقال كل منهما على حدة :
    " كابدتُ الصلاة عشرين سنة ، وتنعَّمت بها عشرين سنة " .
    وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة والتعب أولا ، فإذا صبر المريض وصدق في صبره أفضى به صبره إلى اللذة كما قال أبو زيد : " ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك " .

  4.    Sponsored Links



    -

  5. #15
    -8
    نقطة الضعف المدمِّرة :
    لكل منا نقطة ضعفه التي يتسلل منها الشيطان إلى قلبه لينقل إليه العدوى ويبث النجوى ، وهي تختلف من مريض لآخر ، لكن الحاذق اليوم هو من عرف نقطة ضعفه ، وابتعد عن كل ما يوصل إليها ، فإن كانت نقطة ضعفه النساء سعى في شغل فراعه وتجنَّب أماكن الاختلاط والتبرج ، وإن كانت انهياره في الخلوة في مواجهة الذنوب ؛ حرص على الذوبان في مجتمع الصالحين وعدم التفرد ما استطاع إلى أن تقوى مناعته ، وإن كانت نقطة ضعفه شرهه في جمع المال زار من هو أفقر منه وعاد أصحاب الأمراض المستعصية حتى يعتبر ، وبهذا يغلق الباب أمام تفاقم المرض ، بل يشفى منه بمرور الوقت بإذن الله.
    إن معرفة نقطة الضعف هي نصف الطريق إلى الشفاء ، ولذا كان من جميل الدعاء : " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه " ، فالمشاكل العويصة تُحلُّ بمعرفة الحق أولا ، ثم بامتلاك الطاقة النفسية والقوة الروحية لاتباع هذا الحق ، فإن عرفت نقطة ضعفك فقد قطعت شوطا طويلا في طريق العلاج ، وكثير من الناس لا يعرف عيبه ، ومنهم من يعرف ويجادل عنه أو ينفيه وكأنه تهمة ، وليس هذا من سمات المؤمنين في شيء ، فإن صاحب القلب الحي يفرح بمن أهدى إليه عيوبه ، ويتخذ صاحبا يُحصي عليه ، ويُلِحُّ على من يخالطه في أن يرشده إلى نقائصه.
    وقد يقوى المرء في جانب ويضعف في آخر ، وقد يعرف نقطة ضعفه وقد لا يعرفها ، وليس غير التجربة خير برهان ، ولذلك لما اختلف الناس في أيهما أزهد عمر بن عبد العزيز أم أويس القرني؟ قال أبو سليمان الداراني : " كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس القرني ، لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزَهَد فيها ، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون؟ ليس من جرَّب كمن لم يُجرِّب " .
    يوم العرض على القلب
    وقد سبق وأن أرشدك نبيك  إلى أهمية معرفة نقطة الضعف حين قال :
    « تُعرَض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا ، فأي قلب ‏ ‏أُشْرِبَهَا نكت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نُكِت فيه نكتة بيضاء ؛ حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مُرْبَادًّا كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما ‏أُشْرِبَ من هواه » .
    ‏والإتيان بالفعل « تُعرض » بصيغة المضارع دلالة على أن العرض مستمر طيلة الحياة لا ينتهي حتى تنتهي أنت إلى قبرك ، لكن الفتن تختلف ؛ ففتنة الشباب غير فتنة الشيوخ ، لأن شهوة النساء مثلا في قلوب الشباب أقوى ، وطول الأمل والحرص في قلوب الشيوخ أبقى ، فلكل عمر فتْنَتُه ، وقد يصمد الرجل أمام فتنة سنين ؛ فإذا كان آخر عمره هوى فيها ، بل ولكل جنس أيضا فتْنَتُه ، ففتن الرجال غير فتن النساء ، بل لكل زمن فتن ، والشيطان في كل الأحوال ملحاح لا يدع المحاولة مع أي أحد وفي أي عمر كان.
    ومعنى « عُودا عُودا » أى تُعاد وتكرَّر مرة بعد مرة ، لذا أوردها النووي في رواية بلفظ « عَوْدا عَوْدا » ، ومعنى عرض الحصير أي كما يُنسج الحصير عودا عودا ، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه ، فشبَّه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد ، فمن القلوب من يُشرَب هذه الفتنة ، ‏ومعنى أُشربها أي استسلم لها حتى دخلت فيه دخولا تاما وحلت منه محل الشراب ، ومنه قوله تعالى ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل ﴾ [ البقره : 93 ] أي حب العجل.
    يا تائها عن معرفة نقطة ضعفه : أما عرفت قصتك؟! أما دريت خبرك؟! أنت الذي كانت له الفتنة لقلبه كحصان طروادة ، استخدمها الشيطان ليتسلل بها إلى قلعته ، ويجتاز كافة حراسات القلب وجنوده ؛ حتى إذا دخل وتمكن استمر الزحف ، فانهارت المناعة واستسلمت القلعة!!
    وأمام هذا السيل المنهمر الذي تتابع على القلب يسودُّ القلب ، ويظل يهوي وينتكس ويذوي ويرتكس حتى يصبح كالكوز مُجَخِّيا أي مقلوبا ، وهل يبقى في الكوب المقلوب شيء؟ وكذلك هو لا يبقى ولا يثبت فيه أي خير ، ومعنى آخر لقوله « منكوسا » أي تنقلب عنده حقائق الأمور ، فيرى الباطل حقا والحق باطلا ، والهلاك نجاة والنجاة هلاكا ، والحامض حلوا والسكر ملحا ، وهذه عاقبة كل من استسلم لضعفه وركع لهواه.
    ومن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يجد مُرَّا به الماءَ الزلالا
    وتأمَّل قوله : « مُربادَّا » أي يحمل بقايا بياض فى عموم سواد ، وهذا دلالة على أنه ما كان أسود يوم خلقه الله ، بل كان أبيض ناصع بياض الفطرة ليحمل الخير ويدوم عليه ؛ لكنه اختار بإرادته الذي هو أدنى ، وقدَّم الخبيث على الطيب ، وطرد خيره مؤثرا شرَّه ، وأحيا فجوره وأمات بِرَّه ، فلم يبق من البياض والفطرة والإيمان إلا بقع من البياض الغارقة في لجة الخطيئة وطوفان السواد.
    والحديث في مجمله يبث الرعب فينا ليدفعنا بقوة إلى ضرورة مراجعة النفس لاكتشاف نقطة الضعف التي يتسلل منها الشيطان ليحوِّل صاحب القلب الحي في النهاية إلى صاحب قلب منكوس ، وما ذاك إلا من تهاونه في معرفة عيب نفسه في البدء ، وعدم سدِّ هذا المنفذ على الشيطان بسد فولاذي الإيمان وسعيه الحثيث في العلاج ، نعم نقطة ضعف واحدة ليس غير كفيلة أن تؤدي إلى انتكاسة قلبك وانقلاب روحك ، وأنت السبب إذ لم تسمع وصية الحبيب ، أو سمعتها ورميتها وراء ظهرك ، ثم تبكي!!
    وما مثلك بنقطة ضعفك مع شيطانك إلا كحامل قطعة لحم وحوله كلب جائع ، فلا يزال الكلب ملازما لك حتى ترمي عنك قطعة اللحم ، فإن رميتها ثم زجرته انصرف عنك ، وإلا ظل يحوم حولك يطمع في لحظة غفلة أو سِنة نوم ليهجم!!
    وفي المقابل ينتصب القلب الحي صخرة شامخة تتكسر عليها أمواج الفتن ، وهذا سر تشبيهه بالصفا. قال القاضي عياض رحمه الله : " ليس تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه ، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الايمان وسلامته من الخلل ، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا ، وهو الحجر الاملس الذى لا يعلق به شيء " .
    ومن هذه القلوب الحية قلب علم الأولياء عبد القادر الجيلاني [ت:561] الذي محى نقطة ضعفه قبل أن تظهر ، وأزالها من أرض قلبه حتى قبل أن تبرز ، وانظروا إليه وإلى شدة عزمة وقوة بأسه وهو يقول : " إذا وُلِد لي ولد أخذته على يدي ، فأُخرِجه من قلبي ، فإذا مات لم يؤثِّر عندي موته شيئا!! " .


  6. #16


    9. أغلى ذرة جهد :
    إذا حرمك الله المال فلا تبتئس ، فما هي إلا فرصة لمضاعفة أجرك وسرعة شفائك ، وإذا كنت غارقا في أعباء عملك الدنيوي ولو لم يكن عندك وقت لطول القيام ؛ فجاهدتَ نفسك في قيام ركعتين قبل الفجر انتزعتهما من وقت نومك الذي تحتاجه بشدة فما ذلك إلا علامة البطولة ، واسمع بشارة ابن القيِّم لك :
    " ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع الخدمة ، إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال ؛ وقلبه واقف في الخدمة غير متخلِّف بما يقدر عليه " .
    لا أريدك بعد اليوم أن تشكو قلة مال أو ضيق وقت أو وطأة حرمان أو شدة فقر ، فإنك إن علمت قيمة هذا الكنز الذي بين يديك لشكرت الله على عطائه لك وإن كان في صورة منع ، ولَحَرصت على إخفائه بعيدا عن أعين الناس خوفا من أن يحسدوك ، وعرفت أن الله لم يحرمك بل أغناك ، وما منعك بل واساك ، فإن أجود الجود أن تبذل الموجود ، وأعظم الطاعات ما كان رغم ضيق ذات اليد.
    10. لذة التفرد الدافعة :
    عدم وجود الأعوان والتفرد بالإحسان رغم تفشي الداء ، والجهر بالعبادة بين الغثاء ، ومقاومة تيار الغفلة والشقاء ، والوقوف بقوة في وجه الأعصار ولو كنت وحدك ، والتمسك بالنوافل المهجورة والناس تجترئ على الكبائر ، كل ذلك يساوي عند الله اليوم الكثير ، ولذا ما كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مبالغا حين قال :
    " لخيرٌ أعمله اليوم أحب إلي من مثليه مع رسول الله  ، لأنا كنا مع رسول الله  يهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا ، وإن اليوم مالت بنا الدنيا " .
    وهذا في زمان كان يزدحم فيه الصحابة والتابعون ، فكيف بزماننا هذا؟! فليبتسم قلبك ، ولتضحك روحك وأنت تسمع هذه بشارة :
    « إنَّ من ورائكم أيام الصَّبر ؛ الصبر فيه مثل قبْضٍ على الجمر ، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ». قيل : يا رسول الله .. أجر خمسين منهم؟! قال : « أجر خمسين منكم » .
    فلينشرح صدرك كذلك ، ولتقر عينًا وأنت تسمع رسول الله  يقول : « طوبى للغرباء ؛ أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم » .
    11. مواسم الاستشفاء :
    ومواسم الاستشفاء هي الأزمنة التي طرح الله فيها البركة وألقى في ثناياها الرحمة ؛ فالشفاء فيها أسهل ، والهداية أقرب ، والمغفرة أرجى ، وطلب الأمن من صاحب الأمان أوقع ، والرحمات تنهمر بحيث لو كُشِف الحجاب عن الأبصار لعاينت تنزل الرحمات كالأمطار الغزار ، فكم لله فيها عين حُرِّمت على النار ، وكم وُضِع فيها من ثقل الأوزار ، وكم أُعطي سائلٌ سؤله ، ومدركٌ أمله ، لذا تغتاظ الشياطين ، وتُسرُّ الملائكة ، وتنخذل النفس الأمارة بالسوء أمام زحف قوات التقوى ، ويجيب داعي الخير الكثيرَ من الخلق ومن أول كلمة ، فاغتنم مواسم الأرباح هذه فقد دنا رحيلها ، وادخل من أبواب التوبة قبل موعد إغلاقها ، وبادر شمس المنية قد لاح إشراقها ، وبالله!! لا تترك هذه الفرصة فتندم؟!
    ويدخل في هذا : الانغماس في أجواء الاستشفاء فترة من الزمن ، والتعرض لسيل مكثف من نفحات الحق أثناء موسم من مواسم الخير المنهمر كشهر رمضان كل عام ، أو عشر ذي الحجة ، أو فترة أقصر كيوم الجمعة من كل أسبوع ، وكل هذا يعظِّم مفعول الدواء فيعجِّل بتطهير القلب ويُسرِّع بشفائه ببركة هذه الأزمنة المباركة والنفحات الطيبة.
    الأزمنة الكريمة عند الله مثل السنين المخصصة للزارعين تكثر بركتها ويفيض نتاجها ويعم خيرها ، وكالليالي المقمرة للمسافرين تُطوى لهم فيها الأرض وتُقطع المسافات ويدنو الوصول ويلوح الهدف ، فكذلك العامل لله في الأوقات الشريفة تزكو أعماله فيها أضعاف ما تزكو فيما سواها ، لأنه سبحانه اصطفاها لعباده من بين غيرها ، وهو سبحانه يعطي ما يشاء من يشاء ومتى يشاء.
    وليس الأمر مقصورا على المواسم الفاضلة فحسب ، بل يتعدَّاه ليشمل كل ساعات المد الروحي التي تمر بها لتغتنمها في غمر ما مات من أنحاء قلبك وثنايا روحك ، وهذه الساعات هي أي ساعة أشرقت عليك فيها أنوار قربه ولذائذ عفوه ، واغتنامها بأن تغسل فيها بمياه الخشية ذنبك ، وتستنصر الله على من بغى عليك من هواك ، و يا الله .. صرخة معناها : ما أسرع نصرته إلى المستنجدين ، فمدَّ يديك لتستقي سحُب رحمته ، وتتقلَّب في رضوانه ، وادع الله أن يُديم عليك النعمة الزائرة ويثبِّت الهداية العابرة ، ويُركِّزها في القلب ، واسمع وصية العرب تقول :
    " اسْرِ وَقَمَرٌ لَكَ "
    أي اغتنم طلوع القمر ؛ فسِر في ضوئه ما دام طالعا قبل أن يغيب فتخبط الظلمة وتضلَّ الطريق ، وأنت كذلك اغتنم شروق شمس الهداية في قلبك وبادر غروبها بذلا وعملا وجدا واجتهادا قبل أن تُدلي ظلمة الأهواء أستارها.
    بادر الفرصة واحذر فوتها فبلوغ العز في نيل الفرص
    فابتدر مسعاك واعلم أنَّ مَنْ بادر الصيد مع الفجر قنص


  7. #17

    السر الدفين :
    وهي وصية النبي  :
    « من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل » .
    فلابد نعم لابد لكل مريض أن يكون له عبادة سرية مع الله لا يعلم بها أحد سواه ، إنه دواء فوق الدواء ، وضمانٌ للشفاء ، وتكثيرٌ للحسنات ، ودليل الإخلاص ونقاء النيات ، وقد حثَّنا الله ورسوله عليه في كل عبادة :
     ففي الذكر : « ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه » ، وقول ربنا في الحديث القدسي : « عبدي .. إذا ذكرتني خاليا ذكرتك خاليا ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكبر » .
    وفي الصدقة : « ورجل تصدق بصدقة حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ». عن محمد بن واسع قال : " لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جانبه ".
     وفي الدعاء : قول ربنا : ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ [ الأعراف : 55 ] ، وقال عقبة بن عبد الغافر : " دعوة في السر أفضل من سبعين في العلانية ، وإذا عمل العبد في العلانية عملاً حسناً وعمل في السر مثله قال الله لملائكته : هذا عبدي حقا " .
     وفي الصوم : قال عيسى بن مريم عليه السلام : " إذا كان يوم يصوم أحدكم ؛ فليدهن لحيته ، ويمسح شفتيه ، وليخرج إلى الناس حتى كأنه ليس بصائم " .
     وفي الصلاة : « صلاة الرجل تطوعا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسا وعشرين » ، وقال : « تطوع الرجل في بيته يزيد على تطوعه عند الناس كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده » .
    الخلوة سلاح ذو حدين
    ومن لوازم عبادة السر وجود الخلوة ، فالمطلوب منك كي تضاعف أثر دوائك أن تخفيه ، وذلك في خلوة من الناس ، فإن قضيت خلوتك في معصية الله ؛ فقد حوَّلت الدواء إلى وباء ، وجعلت من العسل علقما ، والله الذي يطلع على الأسرار يفضح من يفعل ذالك من الأبرار والفجار. قال حكيم زمانه وواعظ عصره يحيى بن معاذ الرازي [ ت : 258 ] : " من خان الله في السر هتك سره في العلانية " .
    يا كاتم السر ومخفيه أين من الله تُواريه
    بارزت بالعصيان رب العلى وأنت من جارك تُخفيه
    يقول الإمام ابن القيم في تفسير قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ [ الطارق : 9 ] :
    " في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة ، وهو أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة ، فمن كانت سريرته صالحة ، كان عمله صالحا ، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ، ومن كانت سريرته فاسدة ، كان عمله تابعا لسريرته ، لا اعتبارا بصورته ، فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا ، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته ، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ، ويكون الحكم والظهور لها " .
    وفي المقابل ينشر الله المسك والريحان والنور والإيمان لكل من أطاعه في السر ، واسمع خبر محمد بن أسلم :
    " وقيل لأحمد بن نصر : يا أبا عبد الله!! صلى عليه ألف ألف من الناس ، وقال بعضهم : ألف ألف ومائة ألف من الناس ؛ يقول صالحهم وطالحهم : لم نعرف لهذا الرجل نظيرا ، فقال أحمد بن نصر : " يا قوم أصلحوا سرائركم بينكم وبين الله ، ألا ترون رجلا دخل بيته بطوس فأصلح سره بينه وبين الله ، ثم نقله الله إلينا فأصلح الله على يديه ألف ألف ومائة ألف من الناس " .
    وخبر معروف في هذا الشأن معروف ، فقد قال عنه ابن الجوزي :
    " فهذا معروف ؛ كان منفردا بربه ، طيِّب العيش معه ، لذيذ الخلوة به ، ثم قد مات منذ نحو أربعمائة سنة ، فما يخلو أن يُهدي إليه كل يوم ما تقدير مجموعة أجزاء من القرآن ، وأقله من يقف على قبره فيقرأ : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ويُهديها له ، والسلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة ؛ هذا بعد الموت ، ويوم الحشر تُنشر الكرامات التي لا توصف " .
    ويشرح وهب بن منبِّه العلاقة الوطيدة بين السر والعلانية ؛ والصلة الخفية بين الخلوة والجلوة ، ويبيِّن قدر كل منهما ودرجته بالنسبة إلى أخيه في قوله :
    " ولا تظن أن العلانية هي أنجح من السريرة ، فإنَّ مثل العلانية مع السريرة ، كمثل ورق الشجر مع عرقها ، العلانية ورقها ، والسريرة عرقها ، إن نُخِر العرق هلكت الشجرة كلها ، ورقها وعودها ، وإن صلحت صلحت الشجرة كلها ، ثمرها وورقها ، فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفيا ، لا يُرى منه شيء ، كذلك الدين لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة ، يصدق الله بها علانيته ، فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة ، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها ، وإن كان حياتها من قبل عرقها ، فإن فرعها زينتها وجمالها ، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين ، فإنَّ العلانية معها تزين الدين وتجمله ، إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه عز وجل " .
    للخلوة ست فوائد
    والخلوة من أنجع الوسائل في رؤية عيوب النفس ومعرفة آفاتها. قال ابن الجوزي :
    " فعليك بالعزلة والذكر والنظر في العلم ، فإن العزلة حمية ، والفكر والعلم أدوية ، والدواء مع التخليط لا ينفع ، وقد تمكنت منك أخلاط المخالطة للخلق والتخليط في الأفعال ، فليس لك دواء إلا ما وصفت لك ، فأما إذا خالطت الخلق وتعرَّضت للشهوات ، ثم رمت صلاح القلب رُمتَ الممتنع" .
    والخلوة تكون بذلك بابا من أبواب التوبة ، وقد لمح هذا المدخل مقتفي الأثر الماهر أبو الفرج ابن الجوزي حيث أدهشنا في كتابه المدهش ( المدهش ) بهذا الفضل فقال :
    " خلق قلبك صافيا في الأصل ، وإنما كدرته الخطايا ، وفي الخلوة يركد الكدر " .
    ولذا جعلها يحيى بن معاذ من أبرز علامات التوبة الصادقة والمميزة لها عن التوبة الكاذبة ، فقال : " وعلامه التائب : إسبال الدمعة ، وحب الخلوة ، والمحاسبه للنفس عند كل همة " ، وأوصى بها وريث الأنبياء ودرة الأتقياء الحسن البصري آمرا كل تائب : " وابكِ في ساعات الخلوة لعل مولاك يطلع عليك ، فيرحم عبرتك ، فتكون من الفائزين " .
    والخلوة وسيلة إلى اقتناص خواطر الخير وصيد الأفكار الجيدة التي لا ترد في الزحام وبين الناس ؛ كما حكى تجربته في ذلك الإمام أبو سليمان الخطابي [ ت : 388 ] فقال :
    إذا خلوتُ صفا ذهني وعارضني خواطرٌ كطراز البرق في الظلم
    وإن توالى صياح الناعقين على أذني عرتني منه لكنة العجم
    والخلوة ميزان دقيق يقيس به العبد إيمانه ويعرف صدقه وإخلاصه. قال ابن القيم : " من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف ، ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ، ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود ، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله " .
    والخلوة طريق موصل إلى محبة الله كما قال ذلك ابن القيِّم في الوسيلة الثامنة من أصل عشرة لنيل هذا الشرف :
    " الثامن : الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه ، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة " .
    ونصيب كل منا من هذا الحب حسب مقدار خلوته وإخلاص نيته ، وفي ذلك فليتنافس المحبون. قال ابن الجوزي : " الخلوة شرك لصيد المؤانسة ، فأخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاطا للصيد ، ما صاد هرَّا صاح " .
    والخلوة عند بعض أطباء القلوب من بعض ثمن الجنة ، فقد قال يحيى بن معاذ وقد سُئل يوما : ما العبادة؟! فقال : " حرفة حانوتها الخلوة وربحها الجنة " .
    والخلوة تكون أسهل في اعتكاف رمضان أو في رحلة عمرة أو حج ، لكنها تحتاج إلى مجاهدة أشد واهتمام أكبر في أي وقت غير هذا ؛ لأنك عندها تنتزع نفسك من وسط أعبائك واهتماماتك وأموالك وعيالك لتجمع همك على الله وحده ، وقد يمل الإنسان الخلوة ، وهو ما نقله العلامة الخطابي عن أحد الحكماء وهو يشرح لماذا يمل الإنسان من الجلوس وحده ، فقال :
    " قال بعض الحكماء : إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته ، وعدم الأفضلية من نفسه ؛ فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ، ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويتفرغ الاستخراج الحكمة " .
    13. أنفق يُنفق عليك :
    إن كل دواء سيأتي ذكره في باب (جرعات الدواء) إذا صاحب تعاطيك له دعوة غيرك إلى تناوله والأخذ به ؛ كان ذلك عاملا مساعدا على تعظيم أثر الدواء على قلبك أيها الداعي ومضاعفة مفعوله وأثره ، فإذا وفَّقك الله لطاعته ، وحفظك من مواطن الزلل ، فاعلم أن لهذه النعمة تبعات ، وهذه التبعات هي شكر هذه النعمة ، وهذا الشكر يتمثل في دعوة الآخرين للنجاة ، أما كفر هذه النعمة فهو : الاغترار بحالك ، وعدم الاكتراث بنجاة من حولك ، وعندها قد تنزع منك نعمة الهداية ، فرُبَّ جيد لا يليق به العقد فيُخلع ، ورُبَّ أرض أجدبت بعد الزرع فتُهجر!!
    الدعوة كذلك تزيد مناعة الجسم الإيمانية وتحميه من السقوط في المستقبل ، فيدعو الداعية نفسه وهو يدعو غيره ، ويعظ قلبه مع قلوب مستمعيه ، بل إن من أصابه المرض فترة تصبح فرصته أكبر في شفاء غيره وهدايته ، وكيف لا وقد عرف الداء بنفسه وعانى منه بقلبه ، ثم حافظ على جرعات الدواء ومر بكل مراحل الشفاء حتى برئ. قال ابن القيِّم مبرهنا ومؤكِّدا :
    " يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم ، والطبيب الذي عرف المرض مباشرة وعرف دواءه وعلاجه أحذق وأخبر من الطبيب الذي إنما عرفه وصفا ؛ هذا في أمراض الأبدان وكذلك في أمراض القلوب وأدوائها ، وهذا معنى قول بعض الصوفية : أعرف الناس بالآفات أكثرهم آفات ، وقال عمر بن الخطاب : إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ، ولهذا كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه ، وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له وجهادا لأعدائه ، وتحذيرا من خلافه لكمال علمهم بضده ، والمقصود أن من بُلي بالآفات صار من أعرف الناس بطرقها ، وأمكنه أن يسدها على نفسه وعلى من استنصحه من الناس ومن لم يستنصحه " .
    والتائب من الذنب أصدق لهجة في الدعوة وأقوى حجة في الإقناع لأن من ذاق الحلاوة كره المرارة ، بل حذَّر غاية التحذير منها لأنه سبق وأن اكتوى بنارها من قبل ؛ فصار يصيح في الطرقات يحذِّر الغافلين وينذر المغترين ، وصدق سهل بن عبد الله حين جزم قاطعا بأنه :
    " لا يعرف الرياء إلا مخلص ، ولا يعرف النفاق إلا مؤمن ، ولا يعرف الجهل إلا عالم ، ولا يعرف المعصية إلا مطيع " .
    العدو الصديق!!
    يا صاحب المروءة .. يا أبيا لا يقبل الضيم .. يا من استزله الشيطان ببعض ما كسب :
    ساعَدَك شيطانك من حيث أراد أن يغويك ، وهداك من حيث أراد أن يضلك ، وثقَّل ميزان حسناتك من حيث قصد إثقال كفة السيئات ، فإن " القلب يكون ذاهلا عن عدوه معرضا عنه مشتغلا ببعض مهماته ؛ فإذا أصابه سهم من عدوه استجمعت له قوته وحاسته وحميته ، وطلب بثأره إن كان قلبه حرا كريما ؛ كالرجل الشجاع إذا جُرِح فإنه لا يقوم له شيء ، بل تراه بعدها هائجا طالبا مقداما ، والقلب الجبان المهين إذا جُرِح كالرجل الضعيف المهين إذا جُرِح ولى هاربا والجراحات في أكتافه ، وكذلك الأسد إذا جُرِح فإنه لا يطاق ، فلا خير فيمن لا مروءة له يطلب أخذ ثاره من أعدى عدوه ، فما شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه ، ولا عدو أعدى له من الشيطان ، فإن كان قلبه من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جدَّ في أخذ الثأر ، وغاظ عدوه كل الغيظ وأضناه " .
    وصدق محمد إقبال وهو يخلب الألباب بعباراته ، ويُدمي القلوب بإشاراته ويقول :
    كم عدوٍّ لك في الحق صديق أنت بالأعداء ذو غصن وريق
    يوقِظ الخصم قواك الهاجدة مثل ما تُحيي المواتَ الراعدة
    ومن هنا أتوجه بهذه النصيحة للكل : المرضى والأصحاء ، والضعفاء قبل الأقوياء ، والسائرين في بداية الطريق والبالغين منتهاه ، والمتمتعين بالعافية الإيمانية واللذين لا يزالون يتعثرون في حبائل الشيطان ، وأدعوهم جميعا للبذل والعطاء والكرم والسخاء ، وآمرهم بما أمرهم به ابن عطاء الله السكندري حين قال :
    " لينفق ذو سعة من سعته : الواصلون إليه ، ومن قُدِر عليه رزقه : السائرون إليه " .
    رحم الله ابن عطاء ، فكلماته كالقمر في الضياء ، لكن الشمس أضوأ ، والشمس هنا هي حديث رسولنا  :
    « بلِّغوا عني ولو آية » .
    أخي .. كن ذكيا وأقبل على ما ينفعك واعتبر هذه الوصية دعوة إلى تكثير أجرائك من إخوانك اليوم ، ليعملوا لك ولحسابك لتحصد أنت من ورائهم الخير والثواب والربح والجنة. قال أحمد بن حرب : " مثل الذي يعلِّم الناس الخير ويرشدهم إليه مثل من استأجر أجراء يعملون له بأبدانهم وأموالهم الليل والنهار في حياته وبعد مماته " .
    وهل تاجر أخروي ورابح رباني مثل العالم المجاهد عبد الله بن المبارك؟! الذي لم يضيِّع لحظة واحدة في غير خير وبر ، ولا خير مثل الدعوة إلى الله ، ولا بر أبرَّ من إنقاذ الناس من الضلال ، وذلك لما حضرت الوفاة عبد الله بن المبارك جعل رجل يُلقِّنه : قل : لا إله إلا الله ، فأكثر عليه ، فقال : " إنك ليس تُحسن ، وأخاف أن تؤذي بها رجلا مسلما بعدي ، إذا لقنتني فقلتُ : لا إله إلا الله ، ثم لم أُحدِث كلاما بعدها فدعني ، فإذا أحدثتُ كلاما بعدها فلقِّنّي حتى تكون آخر كلامي " .
    وتذكر أنك :
    إن لم تُزِل الفخ سقطت فيه
    بمعنى أنك إن لم تُزِل أسباب التعثر وقعت ، وإن لم تقطع أسباب الهلاك هلكت ، وإن لم تسع في القضاء على موارد العَطَب .. أُخِذتَ ، وإن سمحت للمنكرات أن تنتشر حولك فسيعم الوباء الذي سينالك رذاذه يوما ما ولابد.


  8.    Spons.


  •   

Similar Threads

  1. Replies: 0
    Last Post: 05-04-2013, 11:45 PM
  2. الانقلاب .. د. خالد ابو شادى
    By Mohamed in forum التربية والتنمية البشرية
    Replies: 0
    Last Post: 01-03-2012, 04:50 AM
  3. Replies: 0
    Last Post: 08-07-2011, 12:39 PM
  4. رحلة للسعادة - برنامج د/ عمرو خالد في رمضان
    By Mohamed in forum التربية والتنمية البشرية
    Replies: 0
    Last Post: 08-04-2010, 12:51 AM

Tags for this Thread

Bookmarks

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •