PDA

View Full Version : البترول والإسلام /محمد عابد الجابري



Mohamed
07-16-2010, 04:14 AM
البترول والإسلام

3- اليوم : العراق من أجل السعودية ....

أما غدا فالسعودية، وبعدها إيران!




محمد عابد الجابري


الغرب وظف "الإسلام" وحماه للحفاظ على البترول ... والغرب يشن حربا على "الإسلام" للحفاظ على البترول!

تلك هي خلاصة المقال السابق! وللذين لم يقرءوه نشير إلى أننا وضعنا هنا كلمة الإسلام بين مزدوجتين (هكذا "الإسلام") لأن مضمونها ليس واحدا في العبارتين: "الإسلام" في العبارة الأولى هو ما يعبر عنه بعضهم بـ "إسلام الحكام". وفي الدارجة المغربية عبارة صارت مثلا منذ "قديم الزمان"، وتقول: "صلاة القياد في الجمعة والأعياد"، والقياد هم الحكام (جمع قائد : حاكم محلي، ولكن المعنى ينصرف أيضا إلى من فوقه، وفاقا مع "الأثر" الإسلامي القائل: "الناس على دين ملوكهم"). المهم هو أن عبارة "إسلام الحكام" ينصرف معناها إلى توظيف الحكام للإسلام من أجل إكساب المظاهر التي تضفي الشرعية على ما يرون هم أن فيه "مصلحة".

أما "الإسلام" في العبارة الثانية، والذي يشن الغرب الحرب عليه باسم "الحرب ضد الإرهاب"، فهو ما يطلق عليه اليوم في بعض الأوساط عبارة: "الإسلام الجهادي". وهذه الحرب ليست مقصورة على "المجاهدين" وحدهم بل تشمل أيضا "المنابع" التي منها نهل وينهل هؤلاء المجاهدون. والمقصود: الدول التي تحكم باسم الإسلام والتي منها خرج "التطرف" الديني ومنها يستمد "الإسلام الجهادي" العون المادي وربما المعنوي!

والجديد/القديم في الأمر هو أن الغرب –والولايات المتحدة خاصة- مقتنع اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الحرب على "الإرهاب" (بمعنى الإسلام الجهادي) لا يمكن كسبها مادامت موجهة ضد أفراد هنا وهناك ... مادامت لم تجفف "منابع الإرهاب" تجفيفا. وفي مقدمة هذه المنابع العربية السعودية. والتركيز على المملكة العربية السعودية يبرره المحللون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة بما يلي:

أولا، لأن الحكم فيها يقوم على التحالف بين "القبيلة" و"العقيدة"، وهذه الأخيرة (ويعنون "المذهب الوهابي") هي، في نظر هؤلاء المحللين، موسومة بالتشدد على الصعيد الداخلي وبرفض الأجنبي غير المسلم المتمذهب بمذهب تلك العقيدة على الصعيد الخارجي. ويضيف هؤلاء المحللون قائلين: وبما أن هذا النوع من "العقيدة" يناسب ذلك النوع من "القبيلة"، على مستوى الظواهر الاجتماعية الأنثروبولوجية، فإن فك التحالف بينهما لا يمكن في ظل الوضع القائم الآن. إن الحل في نظر أولئك المحللين الأمريكان يكمن في خلق وضع جديد يتم فيه فك ذلك التحالف بين "العقدية" و"القبيلة" على الأرض، أي عزل "العقيدة" في منطقة الأماكن المقدسة (مكة والمدينة وما جاورهما) حيث يمكن أن تقوم دولة دينية شبيهة بالفاتكان، وتفكيك القبيلة بإقامة نظام "ليبرالي عصري" على باقي الجزيرة.

بهذه الطريقة إذن يمكن –في نظرهم- تجفيف أقوى منبع للإرهاب بمعنى "الجهاد الإسلامي"، وبالتالي يمكن ضمان الأمن: "أمن البترول".

ولكن كيف الوصول إلى هذا الهدف؟ كيف يمكن إجراء هذا التغيير الجذري على أوضاع هذا البلد بدون أن ينعكس ذلك، ولو بصفة مؤقتة، على سلاسة تصدير البترول بالكميات المطلوبة؟ إن العملية أشبه بتلك العمليات الجراحية التي تجرى على القلب والتي تتطلب وجود جهاز خاص يربط بشرايين المريض ليقوم بوظيفة القلب، أي بضخ الدم إلى الجسم، قبل أن تنتهي العملية ويعود القلب إلى عمله الطبيعي!

والجهاز المفضل والأسهل –في نظر المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين- والذي يتحقق من وراء إعداده واستعماله ضرب عصفورين أو أكثر بحجر واحد، هو العراق! يجب شن حرب على العراق لإسقاط النظام القائم فيه وتنصيب نظام آخر تحت الرقابة المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية، والشروع في الرفع من طاقة التصدير للبترول لدى العراق، إلى الدرجة التي يمكن بها تعويض أي خطر يهدد بترول السعودية حين القيام فيها بالتغيير الجذري المذكور، حتى إذا تم إنجاز هذا التغيير جاءت "الديموقراطية" و"الليبرالية" وجميع "القيم الأمريكية" لتحل محل ما سيكون قد "مضى وانقضى"!

وإسقاط نظام العراق يحقق فضلا عن ذلك أهدافا أخرى:

- ذلك أنه على الرغم من أن النظام العراقي لا يوظف الإسلام، ولا يمكن أن يتحول إلى حليف لـ "للجهاد الإسلامي" فهو آخر ما تبقى من الأنظمة العربية التي رفعت قبل "الإسلام الجهادي" شعار "القومية العربية" الذي باسمه تمت مقاومة المشاريع الأمريكية في المنطقة بدءا من مشروع إيزنهاور وحلف بغداد الخ.
- ويضيف المحللون الاستراتيجيون الأمريكان إلى ذلك قولهم: إن الحرب التي شنت على العراق باسم تحرير الكويت لم تحقق أهدافها كاملة. لقد استطاع هذا النظام أن يستمر ويصمد رغم جميع الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، وفضلا عن ذلك تمكن من استئناف إنتاج "أسلحة الدمار الشامل". وهذا يهدد "البترول وإسرائيل" معا.

- ولا بد من أن نضيف إلى ذلك عاملا نفسيا نعبر عنه بـ "الحقد"، حقد الإدارة الأمريكية على صدام حسين. ذلك الحقد الذي أفصح عن نفسه على صورة "فلتة لسان" حينما قال الرئيس الأمريكي، بوش الحالي، أمام جمع من الناس : "إن صدام حسين كان يريد قتل أبي"؟! القضية هنا قضية شخصية. والإطاحة بنظام صدام حسين يكتسي في هذه الحالة طابع الثأر والانتقام؟ وإذا كان والد بوش لم يقتل جسما ونفسا فقد "قتل" سياسيا بسبب الحرب ضد العراق، لقد انهزم في الانتخابات التي خاضها من أجل تجديد رئاسته، خسر هذه الانتخابات مع أنه كان يعتبر نفسه بطل أمريكا...! ربما كان السبب هو ما اضطر إلى تقديمه من وعود بشأن فلسطين إلى الحكام العرب كي يبرروا إزاء "الضمير" (الظاهر على الأقل ، أما المستتر فالله أعلم به) انسياقهم وراءه في حربه ضد العراق.

- على أن هذا العامل النفسي قد تعمم على الشعب الأمريكي، أو على الأقل، "الفاعلين" السياسيين فيه، أثناء الحرب الكلامية التي جرت بين "بوش" (الأب) وصدام حسين، خلال الأشهر التي سبقت الحرب. لقد شعرت شخصيا بهذا التحول في موقف الأمريكان، التحول من الوقوف في وجه العراق بوصفه "يمثل تهديدا للمصالح القومية الأمريكية" إلى مواجهته بوصفه "عدوا ينال من الكرامة الوطنية الأمريكية"، عندما زارني صحفي أمريكي كبير يعمل في واحدة من أكبر المجلات السياسية الأمريكية. كان ذلك في ديسمبر من عام 1990، في وقت اشتداد الحرب الكلامية بين رئيس العراق ورئيس الولايات المتحدة. كان الصحفي الأمريكي يريد التعرف على الأسباب التي جعلت الرأي العام العربي يقف مع العراق، وعلى الكيفية التي ينظر بها هذا الرأي العام إلى الحل الأمثل للمشكلة. كان مما قلته له: "أنا لم أفهم هذا التجنيد العام للقوات العسكرية الأمريكية من أجل "تحرير الكويت" التي يدعي العراق أنها جزء من ترابه الوطني؟ أإذا فعل المغرب بالنسبة لموريتانيا -التي كان يعتقد أنها جزء من ترابه الوطني- ما فعله العراق بالنسبة للكويت فهل ستهبون للتجنيد من أجل "تحرير مويتانيا"؟. ابتسم وقال : "أنت تتظاهر بعدم الفهم! ومع ذلك أقول لك بصراحة: ليس في موريتانيا بترول"! قلت: وما دام الهدف هو البترول فلماذا هذا التصعيد؟ أنا أرى أنكم قد انسقتم أكثر من اللازم في مواجهتكم للعراق. لماذا لا تتركون خط الرجعة؟ قال: وكيف تتصور خط الرجعة هذا؟ قلت : أنا أفكر في تجربة الفرنسيين مع الجزائر. لقد دخلوا في حرب استعمارية ضروس مع الثورة الجزائرية استمرت ثماني سنوات! ثم اضطروا في نهاية المطاف إلى الجلوس مع قادة الثورة الجزائرية حول مائدة المفاوضات. فكانت النتيجة الاستقلال مع استئناف التعاون مع فرنسا والارتباط بها على أسس جديدة. فلماذا تكررون خطأ الفرنسيين؟ لماذا لا تبدءون من حيث انتهوا؟ أعني أن تجلسوا الآن مع العراقيين حول مائدة المفاوضات، وبالضبط حول البترول الذي تريدونه بـ "أسعار معقولة". أعتقد أن العراقيين لن يمانعوا ؟

أجابني الرجل بانفعال لم يستطع كتمانه! لقد اهتز.. واصفر.. وبرقت عيناه في جحوظ.... ثم قال وهو يحاول التحكم في صوته: "نجلس مع صدام حسين! لا يمكن. يجب أن يزول". ثم سكت.. وفهمت من سكوته أن وراءه عبارة تعتمل في جوفه ولا يريد النطق بها، عبارة أشبه بهذه: "إنه قد أهاننا في كرامتنا. يجب أن يذهب صدام حسين ويبقى الرئيس بوش!".

لقد اقتنعت من تلك اللحظة بأن العامل النفسي، عامل "الشعور بالمس بالكرامة الوطنية"، وبالتالي الحقد الأعمى، قد دخل في الحساب، قد صار أحد العوامل المحددة للموقف الأمريكي من العراق.

- وإلى جانب هذا العامل النفسي لا بد من استحضار العامل الاقتصادي. والعلاقة بين الحرب والاقتصاد علاقة أزلية. فمن النادر جدا أن تقوم حرب ليس وراء عامل اقتصادي. والعامل الاقتصادي في الحرب التي شنت على العرق عام 1991 والتي يراد أن تشن عليه اليوم واضح. إنه البترول بون شك، ولكن هناك أيضا الصناعة الحربية التي تصاب بالكساد بدون حروب. ولوبي "الصناعة العسكرية" في أمريكا قوي. وهو يمارس تأثيره، ليس فقط بذريعة الحاجة إلى تصريف السلاح والعتاد ليمكن الاستمرار في الإنتاج، بل أيضا بـ "الحاجة" إلى تجربة الأسلحة الجديدة التي صارت تتكدس دون أن تجرب وتدرس على ضوء التجربة.

إذن، هناك جملة أسباب تدفع الإدارة الأمريكية إلى شن الحرب على العراق وإسقاط النظام القائم فيه وإحلال آخر محله.

ومع ذلك فإن السبب الاستراتيجي هو ما ذكرناه أولا، من أن القضاء على "الجهاد الإسلامي" يتطلب تغير الوضع في السعودية. ولتغيير الوضع في السعودية يجب أولا وضع العراق تحت السيطرة. ومن هنا يمكن القول : إن العراق من أجل السعودية ... اليوم. أما غدا فستكون السعودية من أجل إيران! ولا نحتاج هنا إلى الكلام عن إيران، فهي ما زالت مستهدفة، لنفس السبب منذ ثورتها الإسلامية!

إن "مثلث الشر" الذي امتدت قمته إلى كوريا الشمالية يمكن أن تسقط منه هذه الأخيرة لخلوها من البترول ولوجود المارد الصيني ...ويبقى المستهدف في كل وقت هو المثلث الخليجي، موطن الذهب الأسود. وسواء عاد المفتشون إلى العراق أو لم يعودوا فإن "قضية المفتشين" ليس سوى جسر للضربة العسكرية التي تستهدف إسقاط النظام العراقي. وحتى لو برأ المفتشون ساحة العراق من أسلحة الدمار الشامل فسيبقى الهدف هوهو، تغيير النظام في العراق انتصارا لـ"المعارضة" و"الديموقراطية" الخ، وأيضا من أجل "وقاية" دول الخليج العربية من هيمنة النظام العراقي الخ الخ!

إسقاط النظام العراقي هدف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية بصورة مضاعفة: هو هدف استراتيجي في حد ذاته، وهو هدف استراتيجي من أجل تغيير الوضع في السعودية، وهو التغيير الضروري لتجفيف "منابع" الإرهاب!

ويبقى السؤال: وما العمل أمام هذه الخطة الجهنمية التي تستهدف العرب والمسلمين، هؤلاء الذين يتغنون بجميع شعارات الوحدة والتوحيد، والذين لم تتحقق فيهم فعلا أية وحدة حقيقية، غير تلك التي يختزلهم فيها الغرب تحت اسم "البترول"؟ ما العمل أمام هذا الوضع: لامعقول "العقل الأمريكي" من جهة، وغياب العقل والمعقول في الجانب العربي والإسلامي؟

عندما يغيب العقل والمعقول يبقى الحلم وحده... يبقى الخيال! فلنحاول أن نحلم!